سعد محيو
محطة أولى:
في أوائل تسعينات القرن العشرين، وضع برنارد لويس، المؤرخ اليهودي البريطاني الأمريكي الشهير في كتابه الأشهر ldquo;الشرق الأوسطrdquo;، اللبنات الأولى لهوية شرق أوسطية جديدة تذوب في أتونها الفكرة العربية ويندثر في سياقها مفهوم الأمة العربية. وفي أواخر التسعينات، يولد مشروعا الشرق الأوسط البيريزي ldquo;الإسرائيليrdquo; والشرق الأوسط الكبير أو الموَسع الأمريكي، كأداة تنفيذية لنظرية لويس.
محطة ثانية:
بعد 11 سبتمبر/ أيلول ،2001 تصل عملية تفكيك الفكرة العربية إلى ذروتها، على إيقاع الغزو الأمريكي للعراق الذي تم على أساس الفرز المذهبي والطائفي والقبلي. ldquo;أملrdquo; الوحدة العربية يندثر ليحل مكانه ldquo;طموحrdquo; الحفاظ على الوحدة الوطنية في داخل كل قطر عربي.
محطة ثالثة:
في 27 سبتمبر/ أيلول الماضي، يكتب سامي عبد الشافي مقالاً في ldquo;الجارديانrdquo; البريطانية يدعو فيه إلى ldquo;تدَخل عاجل من جانب الأسرة الدولية لحث الفلسطينيين المنقسمين على التحادث مع بعضهم البعضrdquo;، مشدداَ على أن ldquo;أي تقدم في الشرق الأوسط يجب أن يبدأ ببناء السلام بين الفلسطينيينrdquo;. قضية فلسطين المقدسة تنقلب حرباً أهلية غير مقدسة بين الفلسطينيين.
هل ثمة ضرورة لتوضيح القاسم المشترك بين هذه المحطات الثلاث؟ كلا بالطبع. لكن قد تكون هناك حاجة لأمر آخر: الإشارة إلى أن الامة العربية لا تسير إلى مقاديرها الانشطارية والانفجارية الراهنة بفعل أعاصير عشوائية خلقتها الصدف وكونتَها الظروف الاستثنائية، بل هي تخضع على الأرجح إلى توجهات بعيدة المدى تستهدف القضاء على الهوية العربية المشتركة. كيف؟ أساساً عبر نسف فكرة العدو المشترك للعرب وإحلال الحروب الاهلية العربية العربية مكانه.
كراهية الذات، ومن ثم كراهية اللبناني للسوري، والخليجي للعراقي، والمصري للسوداني، والمغاربي للمشرقي، ستكون هي القاعدة. الذات (العربية) باتت هي ldquo;الآخرrdquo; (العربي) الذي يجب قتله أو محاربته لإثبات الوجود او حتى الدفاع عن الوجود.
هذا لا يعني قطعاً أننا نبرئ الانظمة العربية، أو أنفسنا، من كل ما جرى ويجري، الأنظمة فعلت الكثير لتمديد عداواتها الخاصة مع بعضها بعضاً إلى شعوبها، هذا كان، مثلاً، دور النظام العراقي في الكويت، والنظام السوري في لبنان، وبعض الحكومات في المغرب العربي.
نحن أيضاً، أي المواطنين العرب العاديين، كان لنا دورنا الكبير، حين وافقنا على مقايضة حريات مجتمعاتنا المدنية بشعار تحرير الامة، والديمقراطية بصوت المعركة العالي، وحين وقعنا في فخ عدم التمييز بين عقل الأنظمة وبين قلب شعوبها. هكذا، أصبح صدام حسين هو كل العراقيين بالنسبة للكويتيين وبعض الخليجيين. وهكذا، باتت تجاوزات النظام السوري إنعكاساً لطبيعة الشعب السوري لدى الكثير من اللبنانيين.
هذه المعطيات عنت أن هناك بالفعل حروباً أهلية باردة وساخنة بين الدول/ الشعوب العربية، وفي داخل كل دولة عربية. وحين تندلع الحرب بين مكونات الامة نفسها، يستحيل أن تتحرك هذه الأمة ككيان مادي واحد أو كروح واحدة.
الآن، إذا ما وضعنا هذه العوامل الذاتية في أنبوب اختبار واحد مع العوامل الخارجية التي أشرنا إليها والتي وظفَت لتفتيت الفكرة العربية وتدميرها، ثم هززنا هذا الأنبوب بقوة، فعلام سنحصل؟
البعض سيميل بشدة إلى الاستنتاج السريع: الفكرة العربية، ومعها القومية العربية، تحتضر أو حتى ماتت. ما سيحل مكانها هو إما قوميات فرعية كالامة الكويتية او المصرية أو اللبنانية، أو عصبيات اكثر فرعية مثل ldquo;القوميات المذهبيةrdquo; أو القبلية او العشائرية. وكل ذلك سيحدث في إطار نظام شرق أوسطي عتيد يحل مكان النظام الإقليمي العربي الراحل.
لكننا لا نميل البتة إلى هذا الاستنتاج. صحيح أننا لا ننفي وجود روائح لشيء ما يموت، لكن هذا لا يعني عدم وجود ولادة جديدة وحياة جديدة.
أي ولادة؟ أي حياة؟












التعليقات