سمير عطا الله
quot;ببلادنا ما في قلوب. قلوبهم حجار. ومصاري ومصالحquot;. (الياس عودة)
أصيب صديق لنا مرة بعارض نفسي لم يتنبه له سوى نوادل المطاعم. فقد صار يدخل المطعم منفردا لكنه يطلب quot;رغيفينquot; او quot;وجبتينquot; او quot;زجاجتينquot; بصرف النظر عن نوعية التعبئة. واستشار في الامر اختصاصيا فشخّص له انه مصاب بحالة نادرة هي تماما عكس الانفصام عندما يعيش المرء شخصيتين منفصلتين في وقت واحد. وسأله ماذا يسمي الحالة الموصوفة، فقال الطبيب، للاختصار: quot;المثنىquot;. وعلاجها غير صعب.
quot;المثنىquot; في السياسة اللبنانية حالة شبه عامة. كل سياسي هو الشيء ونقيضه. ففي زمن الاتفاق الرباعي، مثلا، كانت الاكثرية النيابية اكثرية شرعية سعيدة وحميدة. الآن هي اكثرية حقا، لكنها وهمية غير شرعية وغير محمودة، كمثل كافور عند المتنبي. وفي نظرية المثنى، يريد الفريقان الحوار، لكنهما ايضا يرفضان حضوره. والفريقان يريدان المحكمة الدولية، لكن الاول يريدها سادة والثاني مع سكر. او ملح.
الاكثرية الوهمية والمعارضة غير الوهمية، مع اتفاق الطائف. لكن كلاهما لا يعرف كيف يفسره. وفي المثنى تتهم المعارضة الموالاة بانها تطلب وصاية اميركا وفرنسا، فترد الموالاة (لمن؟) بان المعارضة لا تريد الخروج من وصاية سوريا وايران. مثنى.
لذلك يتخوف المتخوفون والخائفون معا من حكومتين ومجلسين ودولتين. ويصر المخلصون، على حكومة واحدة ودولة واحدة، وبلد واحد مؤلف من وطنين: واحد للقابضين على الوهم، وآخر للقابضين على الحقيقة. والناس لها ما كان لها دائما: الريح تقبضها او الجمر تتوسده.
عندما قال المسيح تعرفون الحق والحق يحرركم، كان يقصد ان الخداع عبودية. ولا يقوم وطن على فريقين متخادعين او متكاذبين، يدعي كل منهما احتكار ما لا يحتكر: الدستور والحقيقة. فلا الدستور سلعة ولا الحقيقة صفقة. الاول عقد الدولة، والثانية شرعة الوطن. والآية تقول quot;فبأي آلاء ربكما تكذبانquot;.
مفجع هذا الكم من الكذب. فجيعة هذه القسمة باسم الوحدة. أليس عارا وطنيا ان تصبح الوحدة اكثر قباحة من الفرقة، والاصرار على الاتحاد اكثر فظاظة من التقسيم، والابتعاد اكثر امنا وسلاما وضمانا من الالتقاء؟
ما هو هذا البلد الذي لم يعد فيه متسع لبنيه، ولم يعد احد يلقي التحية على الآخر، ولم يعد فيه مكان الا للحقد والبغض والكره واللؤم واللؤم الشديد والسب والشتم والتهديد؟ وما هو هذا البلد الذي تحل فيه الفظاظة محل الشجاعة، والسم محل الصفح، واللعنة محل البركة؟ واي بلد هو الذي يتقاتل فيه الناس تحت شعار المشاركة، ويتباعدون باسم الدعوة الى الوحدة ويتنافرون، ويتباغضون، ويتكارهون، ويتمادون، ويمعنون، ولا يقرع بينهم جرس محبة، او يعلو صوت عقل، او نداء وفاق؟
هل هذا هو حقا لبنان؟ وهل اهل فك الرقاب وحمامات الدم هم حقا اللبنانيون؟ هل هذا هو الشعب الذي خرج من اعتق جامعات الشرق؟ هل خرج اولئك المتحدثون حقا من المعاهد العسكرية التي اسسها فؤاد شهاب، يوم رفض التسلط على الحكم ورفض التمديد، ويوم رفض العودة وعاش حياته يوزع راتبه ثلاثة اثلاث، ثم يتقاسم الثلث الذي له مع الفقراء؟ ما هي مقاييس quot;النزاهةquot; وquot;محاربة الفسادquot; اليوم؟ وماذا تعني quot;دولة القانونquot;؟ quot;فبأي آلاء ربكما تكذبانquot;.
هل هذا هو حقا لبنان؟ نور الشرق، وميناء لامارتين، ومقام الامام الاوزاعي، ومفزع الهاربين من الاضطهاد والحقد والموت؟
ايهما الحقيقة، وايهما الخدعة؟ ما كنا عليه ام ما اصبحنا فيه؟ هل كنا حلما عابرا، ام نحن كابوس بلا انتهاء؟ هل نحن مزهرية الشرق ام اناؤه المنتحر؟ المرمي، المتكسر، المنشطر ابدا شطرين. المثنى.
ما هذا البلد الخالي من صوت محبة، الخاوي من حكمة، المجرد من صدق او صديق او صداق؟
من يصحح الاشياء والمعاني وسط كل هذه الاخطاء؟ كيف تكون الاكثرية هي الاكثرية وهي لا تملك شيئا ولا قرارا ولا احدا، وتكون المعارضة هي المعارضة وتملك مفتاح البرلمان، ومفتاح بعبدا، وبطاقة الحضور الى بكركي في عيد الفصح؟
ألم توصف بكركي بانها ورقة نعوة، وحدها تتحدث عن الألم والموات، في هذا البلد السعيد البهيج المليء بالحياة والعمل والنشاط والحركة والازدهار؟
كاد لبنان يحترق بسبب برنامج هزلي تعرض لسيد المقاومة، متناسيا صفته الدينية. لكن شيئا لا يحدث عندما يُتهم صاحب بكركي بالهياج امام مشهد الارامل والثكالى، ولا يعترض احد على وصف الكلام التآلفي الوحيد بورقة النعوة. فمأساة بكركي انها تتحدث لغة لا يريد سماعها احد. لغة الفقراء والمساكين والضعفاء والمتواضعين والمهجرين والعارفين ان البلد يُحرق هذه المرة بخبث الرماد بدل علانية الحريق.
ثمة عتم كثير. وظلمة حالكة مثل قلوب السياسيين. وشعب يموت على مهل، خلف الشعارات او امامها او تحتها. وبلد يذوي. فبأي آلاء ربكما تكذبان.














التعليقات