سعد محيو


فؤاد عجمي لا يتوقف عن مفاجأتنا في كل حين.
فالرجل الذي كان في بيروت قومياً عربياً بعثياً في شبابه، اكتشف فجأة حين هاجر إلى الولايات المتحدة أن اسمه يدل على أصول فارسية. ومنذ ذلك الوقت كرّس عجمي كل نشاطه الأكاديمي والكتابي لنعي الأمة العربية (خاصة في كتابيه ldquo;موسى الصدر وشيعة لبنانrdquo;، وrdquo;المحنة العربيةrdquo;) والتحريض عليها.

ومؤخراً تسنى لنا قراءة كتابه الجديد ldquo;هدية الأجنبي: الأمريكيون والعرب والعراقيون في العراقrdquo;، فجاء النص الجديد أشرس من سابقيه في الحملة على الأمة .

فهو يدافع عن قرار الولايات المتحدة غزو العراق واحتلاله، بل ويصفه ب ldquo;القرار النبيلrdquo; الذي يأتي في إطار عالم ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وهو يجدد التذكير بتصريحاته التي سبقت الحرب في العراق ومفادها أن الحرب الدولية ضد الإرهاب تمر عبر كابول وبغداد. كما يهاجم الحكام والمفكرين العرب الذين قال إنهم ldquo;يبذلون قصارى جهودهم لإثبات الفكرة الخاطئة القائلة إنه لا يمكن تثبيت الديمقراطية في العالم العربي، وأن البديل عن حالة الاستقرار التي توفرها الأنظمة السلطوية هو الفوضى العارمةrdquo;.

العنف الطائفي، برأي عجمي، هو ترسب للصراع التاريخي وليس نتيجة للاحتلال الأمريكي.وعلى الرغم من تصاعد أعمال العنف وحالة التمرد والاقتتال الطائفي التي يشهدها العراق، يشدد على أن أعمال العنف تلك ليست نتيجة الغزو الأمريكي بل إنها تنبع من الصراع التاريخي المحلي بين مختلف الأطياف المذهبية والعرقية العراقية. ويضيف أن أعمال ldquo;التمردrdquo; نتجت عن عدم تقبل العرب السنة للوضع الجديد الذي قلب الموازين القديمة وفرض واقعا جديدا تمثل في كونهم أقلية وأن الشيعة أكثرية. ويشير إلى أن السنة يرفضون التخلي عن موقع السلطة في نظام متسلط والعيش كأقلية داخل نظام ديمقراطي. فعلى الرغم من أن العرب السنة أقلية في العراق إلا أنهم يمثلون الأغلبية في المنطقة. ويقول إنهم مازالوا يؤمنون بأن لهم الأحقية والأهلية في تسيير أمور العراق ويتمسكون بمقولة ldquo;لنا الحكم ولكم (أي الشيعة) اللطمrdquo;.

ويقول إن صدام حسين دمر العراق وأطبق على الحياة السياسية فيه، ومزقه وقام بكبت المشاكل المذهبية والعرقية وتركها لكي تنفجر فيما بعد. فالعراق، حسب عجمي، كان مليئا بالأنشطة والمتناقضات بين التيارات السياسية المختلفة، حيث كان للشيوعيين دور في العراق وكذلك الأمر بالنسبة للزعماء القبليين والقوميين العرب والمقاتلين الأكراد والعصابات المعزولة ومن وصفهم بالدستوريين الذين كانوا يمارسون الوظائف المعاصرة. غير أن صدام حسين قام بتدجين وترويض الأطياف العراقية، ودمّر روحها المعنوية وحوّل العراق إلى سجن كبير. ولم يقم بحل المشاكل المذهبية والعرقية، وبالتالي عندما تمت الإطاحة بنظام صدام حسين جراء الغزو الذي تزعمته الولايات المتحدة ظهرت إلى الوجود تلك التوترات الطائفية القديمة التي كانت مدفونة ومكبوتة.

وقد ركز عجمي في كتابه بشكل كبير على قضية الديمقراطية ونشر الحرية في العالم العربي، ومرّ مرور الكرام على التبرير الذي قدمته الحكومة الأمريكية لشن الحرب ضد العراق والإطاحة بنظام حكم صدام حسين وهو حيازته أسلحة الدمار الشامل الذي تبين فيما بعد عدم صحته.

ويقول إن الولايات المتحدة ليست بحاجة على الإطلاق للاعتذار للدول العربية أو النظام في إيران عن تواجدها في العراق أو الأهداف التي ترغب في تحقيقها هناك. ويضيف أن الحكام العرب والقدر الكبير من الطبقة السياسية في العالم العربي لم تعر أي اهتمام للجرائم التي اقترفها نظام صدام بحق العراقيين، ويكتفون بإثارة الشعور المعادي للولايات المتحدة وعدم الإقرار ب ldquo;الهديةrdquo; التي قدمتها الولايات المتحدة في

قلب العالم العربي وهي فرصة العيش في ظل الحرية والديمقراطية.


* * *

هل هذه المواقف في حاجة إلى تعليق؟

أجل. تعليق وحيد على الأقل: فؤاد عجمي ظاهرة مؤسفة، ومحزنة، في التاريخ العربي.