مشاري الذايدي
laquo;الاشتباكraquo; السوري السعودي، الأخير، بعثر أوراقا، ونظم أوراقا أخرى!
الاشتباك، وهو التعبير الذي استخدمته صحيفة السفير اللبنانية القريبة الهوى من فريق 8 آذار، جاء في توقيت غير مناسب بالنظر الى قرب موعد الانتخابات الرئاسية في لبنان، فـlaquo;وسيط الخيرraquo; اللبناني، نبيه بري، كان يعول كثيرا على تقارب سوري سعودي، يسهل له مهمة التوفيق بين فريقي السلطة والمعارضة في لبنان، من أجل إيجاد رئيس مرضي عنه، هنا وهناك، ولكن جرت رياح الشرع بما لا تشتهي سفن بري.
البيان السعودي الحاد ضد السياسة السورية، وتحديدا ضد نائب الرئيس فاروق الشرع، أربك النظام في دمشق، الذي لم يتعود على ردود سعودية إعلامية بهذه اللهجة والنكهة، فصدّر خلال يوم او يومين توضيحين سوريين، الأول laquo;شبه ردraquo; على البيان السعودي من خلال القول: لن نرد، وما قالوه غير صحيح، ونحيل الى نص مقابلة فاروق الشرع، فهي كافية. والبيان الثاني، امس الاول، كان اكثر هدوءا، من خلال التأكيد على أهمية العلاقة السعودية السورية، وان تصريحات الشرع laquo;حرفت بغير حقraquo;، أي انه ـ وفق العرف الاعلامي العربي ـ اعتذار غير مباشر.
على كل حال، المسألة، في جوهرها، تتجاوز هذا الاشتباك الإعلامي، فهي تذهب الى منطقة أهم وأكثر خطورة، وهي الاشتباك السياسي حول قضايا المنطقة، وقد أصبح من الجلي أن التباين بين دمشق والرياض صار عصيا على الكتمان، واتسعت هوة الخلاف منذ انهيار النظام البعثي في العراق، وتخوف النظام البعثي الآخر في سوريا من مجيء دوره، وقبل ذلك منذ ان بدأ النظام السوري يفقد نفوذه تدريجيا في لبنان بفعل مقاومة القوى الرافضة له في لبنان، وسطعت شمس الخلاف باهرة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتوجيه أصابع الاتهام للنظام الامني التابع لسوريا في لبنان، وما جرى بعد ذلك، وقبل ذلك خصوصا القرار الدولي رقم 1559 في سبتمبر(أيلول) 2004 الذي تضمن إخراج القوات السورية من لبنان.
الآن الخلاف السعودي السوري صعد من تحت الطاولة الى أعلاها، وتحول الهمس إلى صوت جهير، وما ذاك، إلا لأن الخلاف هو خلاف سياسات ورؤى بين دمشق والرياض، فالنظام السوري، في عهد الرئيس بشار الاسد، ارتبط بشكل استراتيجي تام بالنظام الاصولي في طهران، وأصبح همزة الوصل بين جزيرة ايران في لبنان، اعني حزب الله، وبين مصادر التسليح والتمويل والتوجيه في ايران. طبعا النظام في سوريا
laquo;يقاولraquo; على هذه الخدمات، وهو يريد من حزب الله، الذي غذاه نظام الثورة الايراني فكريا وعسكريا، خدمات تقارب ما يريده النظام الايراني، اليس هو، أي نظام دمشق، حليف طهران في السراء والضراء؟!
لكن ايران ايضا تريد من سوريا خدمات كثيرة ومعقدة، فهي تصارع في العراق، ضد الاحزاب والقوى السنية، وغير السنية حتى مثل حزب الفضيلة الشيعي.
وعليه فتخريب سوريا للوضع السياسي في العراق، وتفويج الانتحاريين، يصب في نفس الخانة التي تصب فيها المياه الايرانية في العراق. والعنوان، الظاهري، لدى النظامين: مقاومة المحتل الامريكي، ومن يستطيع ان ينتقص من قدسية ونقاوة هذه المهمة المقاومة؟!
لكن، وفي تشابك هذه الخطوط، والخيوط، ما بين القومي والأصولي والسني والشيعي، وما بين تداخل الألوان بين من هو الأغير على العروبة، ومن هو الاكثر التصاقا بهويته، يبزغ سؤال الهوية، أعني سؤال الهوية في سوريا الآن، فماذا يريد النظام في دمشق؟!
وهل ما زالت دمشق هي laquo;قلب العروبة النابضraquo;؟! ام أن هذا القلب أصيب بأزمة؟
بعيدا عن مناقشة ومجادلة وتفسير فكرة القومية، وتعيينها في هذه اللحظة، وما هو مآلها، وما الذي جرى لها، ومن الذي استغلها من أجل مصالحه، او تصفية خصومها باسمها، او ضرب الإصلاح في بلده بحجتها، وبعيدا عن واقعية هذه الفكرة في هذا الجزء من العالم، وبعيدا عن مقاومة الخطاب الاسلامي الأممي لفكرة الهوية القومية العربية، بعيدا عن كل هذه الاسئلة، يجب التذكير بمركزية laquo;الشامraquo; في توليد ورعاية وانطلاقة الفكر القومي العربي من زكي الارسوزي الى اكرم الحوراني الى عفلق وحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان من مواليده نظام حافظ الاسد الذي، اول ضابط علوي يصل الى سدة الحكم 1970 في تاريخ الشام.
باستمرار كانت الشعارات القومية والحديث عن الوحدة العربية هي ما يميز الثقافة السياسية في سوريا، وكانت المعارك بين أطراف اللعبة السياسية تتم تحت سؤال: من هو الأكثر وفاء لقوميته وعروبته؟!
وبالقفز على مراحل كثيرة وصولا الى فترة الرئيس الحالي، بشار الاسد، ابن حافظ، اختلفت الامور، لا بسبب علاقة بشار الوثيقة بإيران، هو وحلقته الامنية الضيقة، فالوالد حافظ الاسد كان يتمتع بعلاقة جيدة مع طهران، حتى في ذروة الحرب العراقية الايرانية، تلك الحرب التي كانت تقدم للعالم العربي باعتبارها laquo;قادسيةraquo; جديدة ضد الفرس، فقد كان الاسد، الأب، ممسكا برايته القومية، بيد ، وبمصالح نظامه الخاص بيد اخرى، وباليد الأخيرة هذه، برر للعرب تقاربه مع ايران، بسبب حماية نظامه من بغداد الصدامية، حينها، مع انه كان هناك همس خافت، عن وشيجة طائفية بين العلوي المتفرع من التشيع، وبين الشيعي في طهران، ورغم إغفال هذا الهمس إلا ان شيوخ المذهب الاثني عشري نفسه لا يعترفون بشرعية التشيع العلوي او الدرزي او الاسماعيلي، لكن السياسية لها حكمها، والتاريخ البعيد له منطقه، والأهم من هذا كله، الاغتراب laquo;الأقلويraquo; داخل البحر السني، ربما كان له تأثيره.
لكن ما كان همسا ايام الاسد الأب، صار حديثا علنيا أيام الأسد الابن، خصوصا بعد تحول العلاقة بين دمشق وطهران من علاقة تحالف الى استتباع، طبعا التابع فيها هو نظام دمشق. وتغلغل الايرانيون داخل سوريا، ويكفي ان نعلم عن عدد البعثة الدبلوماسية الايرانية في دمشق التي تحوي المئات من الموظفين! وصار الحديث عن حملات تشييع سياسي حديثا دائما، ونقل مصلون وشيوخ عن الفقيه السني السوري وهبة الزحيلي حديثه بعد صلاة الجمعة في أحد مساجد دمشق قبل فترة عن وجود حالات تشيع في إحدى البلدات بمحافظة الرقة الواقعة شمال شرقي دمشق، وطلب من المصلين التثبت من ذلك، كما نقل موقع الجزيرة نت.
وتحدث المشرف العام على مؤسسة غرباء الشام للإعلام ومدير الثانوية الشرعية الخسروفية الشيخ محمود قول أغاسي للجزيرة نت عن أن القصة بدأت من محافظة الرقة حيث قامت مؤسسات إيرانية ببناء مرقدي الصحابي عمار بن ياسر والتابعي أويس القرني ـ لهما مكانة خاصة في التصور الشيعي للتاريخ الاسلامي ـ وافتتاح مكتب ثقافي ومكتبة أشرطة كاسيت.
وفي المقابل، هناك حديث متكاثر ايضا عن ظاهرة اخرى غريبة في المجتمع السوري، وهي ظاهرة انتشار النساء laquo;القبيسياتraquo;، نسبة الى الداعية السنية منيرة القبيسي، وهي طريقة سنية شافعية ذات نفس صوفي، تنتشر بين النساء في سوريا وخارج سوريا حتى، إلا أن مركز الحركة في دمشق، تقوم على تربية النساء على طريقة متشددة تلغي كل الإرث الذي حصلته المرأة في سوريا طيلة مسيرتها من اجل الانفتاح والنهضة، ويتحدث مراقبون عن حوالي 70 ألف امرأة وفتاة تابعة لهذه الطريقة كما في تقرير لجريدة laquo;الحياةraquo; نشر في 6/5/2003. وبالمناسبة فإحدى قيادات هذه الحركة هي شقيقة احمد جبريل زعيم الجبهة الشعبية القيادة العامة. ناهيك عن المرونة مع تيار الجهادية السلفية.
إذن فأي هوية يريد النظام في دمشق المضي فيها؟
سياسته الخارجية هي سياسة شيعية بامتياز، وداخليا يمور في أحشائه، حراك سني أصولي رهيب، مثل حركة النساء القبيسيات التي وصل تأثيرها للكويت ولبنان والأردن، وكتب عنها بانزعاج ادونيس في مقاله الأخير بـlaquo;الحياةraquo;، وفي نفس الوقت نرى حركة تشييع سياسي في الرقة وغيرها، لدرجة أزعجت شيوخا سنيين صرحوا باعتراضهم من داخل البلد.
ماذا بقي من هذه العروبة والقومية، وهل ما زال قلبها نابضا؟!
صفوة القول اننا لا نرفض التصرف وفق منطلقات وطنية بحتة، فهذا هو المطلوب، ولكننا نرصد التناقض بين الشعارات المعلنة والحقائق الجارية على الأرض، وبعد هذا كله، يأتي من يعظ فينا ويحاضر علينا عن القومية وقلعة العروبة؟!
كلما رأيت الشعارات عالية والأصوات مرتفعة، فاعلم أن هناك شيئا سريا يجري بهمس وبعيدا عن الأنظار... ربما تكون هذه الحالة مع سوريا، وغير سوريا.















التعليقات