جيروم شاهين
يبدو ان المس بالمقدسات والشعائر الدينية عبر وسائل الاعلام والأعمال الفنية في الغرب، لا سيما في اوروبا، بات مسلسلا لا تتوقف حلقاته. ففي أواخر الشهر الماضي نشرت صحيفة quot;تريكيس اليهنداquot; الأسوجية رسماً كاريكاتورياً مسيئاً للنبي محمد. ونشرت الصحيفة الرسم مصحوباً بمقالة عن الرقابة الذاتية وحرية التعبير والمعتقد، وكأنها، بذلك تعرف مسبقا ردة فعل المسلمين على هذه الفعلة المدانة، وتصر على ارتكابها متذرعة بحرية التعبير وهو مبدأ كرست شرعيته الوثيقة العالمية لحقوق الانسان التي أصدرتها الامم المتحدة في العام 1948/ الا ان هذا المبدأ لم تقره الوثيقة بدون ضوابط، وأبسط تلك الضوابط ان الحرية لا تعود شرعية عندما تنتهك حدودها حدود حرية الآخرين.
وكان من الطبيعي والبديهي ان تندد وتشجب عدة بلدان ومنظمات اسلامية هذا العمل المشين، ومنها إيران وباكستان ومنظمة المؤتمر الاسلامي، وغيرها...
بالوقت نفسه، وكما تعودنا على ذلك، قامت جهات غربية بالدفاع عن حرية التعبير هذه، وبالتالي رفض تقديم الاعتذار عن هذا العمل.
المس بالشعائر والمقدسات الدينية لا يطال الاسلام فقط بل ايضا المسيحية. فقبل شهر نشرت في السويد رسوم تمس بالسيد المسيح والعذراء مريم. وقبل ذلك ايضا، وبحجة quot;الابداعquot; الفني، قامت مغنية البوب الأميركية مادونا باستعراض فني كبير، عرضته في الاستاد الاولمبي على بضعة اميال من الفاتيكان (ودعت، بكل وقاحة، البابا الى حضور هذا الاستعراض) وظهرت فيه كما لو كانت تصلب على المسرح، وعلى رأسها تاج من الشوك في تقليد للسيد المسيح، ثم رفعت على صليب كبير مضيء. ولا ننسى فيلم quot;دافنشي كودquot; الذي حضره الملايين في العالم وتضمن تحريفاً كبيراً لحياة المسيح ولتاريخ الكنيسة وعقائدها.
وتأتي مسألة نشر الرسم الكاريكاتوري الأسوجي التي ذكرنا اعلاه بعد سنتين من ازمة رسوم للنبي محمد نشرت في ايلول 2005 في صحيفة quot;يلاندس بوستنquot; الدانماركية والتي اثارت موجة احتجاجات وتظاهرات عنيفة عمت العالم الاسلامي طوال شهري كانون الثاني وشباط 2006 وتسببت بمقاطعة المنتجات الدانماركية.
السؤال المطروح هنا: هل ان حرية المعتقد والتعبير تجيز المس بالمعتقدات والشعائر والمقدسات الدينية؟ الجواب ليس بسيطا وأحادي الجانب ومقفلاً. بل هو معقد وله اوجه عديدة.
بداية، لا بد من التذكير بأن التاريخ البشري مليء بالصراعات الدينية قبل بروز الديانات التوحيدية وبعدها. وأخذ هذا الصراع شتى الاشكال واستخدام شتى الوسائل، من الجدل والسجال والتجريح والتكفير والتسفيه والتشويه الى الاضطهاد باستخدام وسائل العنف، وكل ذلك لم يقوض دعامة اي ديانة من الأديان.
لكن، ومع بروز التعددية الدينية وتكريس حرية المعتقد والرأي، وبالأخص مبدأ احترام الاخر، فرداً وجماعة، في التعبير عن معتقده وفي ممارسة شعائره الدينية وتطبيق موجباته الدينية، لم تعد تجرؤ جماعة على إلغاء جماعة اخرى او ممارسة التمييز العنصري حيالها، او تحقيرها، بسبب دينها.
وفيما تكرست حرية المعتقد وتم الاعتراف بالتعددية ظهرت مبادئ حقوق الانسان ومنها: حرية الرأي والتعبير عن الرأي. الا ان هذا المبدأ في ممارسته يعرف الحدود. فالفرق شاسع ما بين التعبير عن الرأي حتى بتناول الأديان بالنقد العلمي والتاريخي وغير ذلك، والتعبير عن ازدراء الدين وتشويهه والمس بشعور المتدينين.
من ناحية اخرى، يتباهى الغرب بديموقراطيته وبحريته في التعبير دونما رقيب او حسيب، لكننا نتساءل لماذا الغرب، على سبيل المثال، لا يتناول الدينانة اليهودية في ممارسة تقصي، باسم الدين، الاخرين، لا بل تعنفهم، وتبرر لعنصرية بكل معنى الكلمة. صحيح ان اليهود في أوروبا، وفي العهد النازي، عانوا من الاضطهاد الهتلري بأبشع الصور، وهذا مرفوض ومدان من الجميع، مسيحيين ومسلمين، عربا وأعاجم. الا ان الضمير الغربي الواقع تحت عقدة التأثيم من جراء محرقات اليهود يمارس على نفسه التحريم المطلق لكل منتقد لليهود حتى لو كان هؤلاء يرتكبون باسم الدين الظلم والعدوان والقتل والتهجير، لانهم يهود. انه صيف وشتاء على سطح واحد. انها الاستنسابية غير المبنية على المنطق والعدل. بالطبع، لا ندعو هنا اطلاقا الى ان يقوم الغربيون، او نقوم نحن بالمساس بشعائر وعقائد الدين اليهودي. لا بل اننا ندعو الى احترام جميع الاديان والمقدسات والى عدم التشهير بها وبرموزها وبشعائرها.
كيف يمكن حل مشكلة المس بالمقدسات عبر وسائل الاعلام؟ من اصعب جدا استصدار قرار من منظمة الامم المتحدة يحظر على الاعلاميين التعرض للاديان. والدول الغربية لن تقدم على استصدار قانون مثل هذا. الا ان النقابات الاعلامية درجت على إصدار quot;مواثيق شرفquot; يلتزم بها أعضاؤها، وذلك في سبيل تحقيق الخير العام أو درء أخطار تحدق بالأخلاق او بالسلم الأهلي.
من الضروري، بالتالي ان تقوم حملات لحث نقابات وسائل الاعلام ونقابات الاعلاميين على صياغة مواثيق شرف تحد من ظاهرة التعرض للأديان لما يسببه هذا التعرض من أزمات وفتن. ففيما تزول شيئاً فشيئاً في العالم الرقابة التي كانت تمارسها الدولة على مضمامين وسائل الاعلام، تتولى، اكثر فأكثر، هيئات المجتمع المدني، أو الأهلي، وظيفة الضغط المعنوي على وسائل الاعلام لتشرع هذه الاخيرة لنفسها ضوابط تدخل في نطاق ما يسمى quot;الديونتولوجياquot;، اي الاخلاق المهنية.
في الخلاصة: الأديان والتدين هما من الثوابت المشولية عبر التاريخ البشري كله. فاتركوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله! أتركوا الاديان لمعتنقيها!














التعليقات