لو كان المهاتما غاندي حياً لتوجه اليوم إلى غزة
نقولا ناصر
تواجه الوطنية الفلسطينية وحقوق الإنسان العالمية امتحانا حاسما في قطاع غزة حيث تطغى الأزمة الفلسطينية المستحكمة بين قيادتي فتح وحماس على الأزمة الاقتصادية الطاحنة خاطفة في إثارتها السياسية الأنظار بعيدا عن تحول الأزمة الاقتصادية المتفاقمة إلى كارثة إنسانية. وبلا رحمة يحرص كل ldquo;اللاعبينrdquo; السياسيين الرئيسيين المسؤولين عن حصار مليون ونصف المليون فلسطيني في أكثر مناطق العالم كثافة سكانية داخل سجن في الهواء الطلق مساحته لا تزيد على 360 كيلومترا مربعا على إبقاء الكارثة الوشيكة بعيدة عن الرأي العام العربي والعالمي، لا بل إنهم يرون فيها ldquo;نافذة فرصةrdquo; سياسية للتخلص من حركة المقاومة الإسلامية ldquo;حماسrdquo; كتنظيم وتوجه سياسي قد تقود إلى اختراق في التسوية السياسية بين منظمة التحرير الفلسطينية وrdquo;إسرائيلrdquo;.
كان الرئيس الأمريكي جورج بوش أول من رأى في الكارثة الإنسانية المحدقة بالقطاع الفلسطيني المحاصر ldquo;نافذة فرصةrdquo; وبادر إلى استغلالها سياسيا فخلق زخما في الحراك الدبلوماسي في الشرق الأوسط كان ldquo;كعب أخيلrdquo; الكامن وراءه هو ldquo;الافتراض بأنه يمكن إحراز تقدم نحو اتفاق دبلوماسي حول مستقبل الضفة الغربية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحكومة ldquo;سلامrdquo; فياض بينما يجري تجاهل التطورات في قطاع غزةrdquo;، كما كتب ldquo;الإسرائيليrdquo; يورام ميتال رئيس مركز حاييم هيرتزوغ لدراسات ودبلوماسية الشرق الأوسط بجامعة بن غوريون في يديعوت أحرونوت في السادس من الشهر الجاري. وفي 8 الجاري أكدت ldquo;إسرائيلrdquo; تأييدها لrdquo;رؤيةrdquo; بوش الجديدة عندما أعلنت وزيرة خارجيتها تسيبي ليفني أن ldquo;غزة تخلق تهديدا أمنيا لنا بينما الجزء الآخر الذي تسيطر عليه الحكومة الجديدة في الضفة الغربية يمكن أن يخلق فرصةrdquo;.
وقال بوش إن نجاح عباس في الضفة الغربية ldquo;سيوضح لجميع الفلسطينيين أن رفض العنف هو الطريق المؤكد إلى الأمن وحياة أفضلrdquo; وعزز بوش رسالته بحزمة معونات وعد عباس بها خلال الشهر الماضي قيمتها 270 مليون دولار منها 80 مليونا لدعم الأجهزة الأمنية، و140 مليونا مخصصة أصلا لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ldquo;أونرواrdquo; بينما تشرف الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ldquo;يوأس إيدrdquo; على ldquo;شروطrdquo; صرف ال 50 مليون دولار الباقية. وعلق دانييل ليفي مفاوض السلام ldquo;الإسرائيليrdquo; السابق والزميل حاليا في ldquo;سينتشري فاونديشنrdquo; بواشنطن: ldquo;يستمر الرئيس في دعم تعميق الانقسامات بين الفلسطينيين ويصر على الشروط المسبقة لأي حل على أساس الدولتين ويظهر عدم استعداد لتوضيح محدداته لأي صفقة لنهاية اللعبة ldquo;الإسرائيليةrdquo; - الفلسطينيةrdquo;.
وهذا هو تحديدا السبب في أن أكثر من 10 مليارات قدمتها الدول المانحة لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية منذ عام 2000 وأكثر من 6 مليارات دولار من معونات دافع الضرائب الأوروبي بين عامي 1993 و2004 وما بلغ في المتوسط 350-450 مليون دولار سنويا بين عامي 1994 و2000 و650 مليون دولار سنويا منذ عام 2000 إلى عام 2007 بحيث بلغت حصة الفرد الفلسطيني السنوية من المعونات أعلى نسبة في العالم باستثناء ldquo;إسرائيلrdquo; وقد فشلت جميعها في منع الطريق المسدود الذي وصلت إليه عملية السلام وبالتالي منع الانهيار الاقتصادي والسياسي والمجتمعي الذي يعيشه الوضع الفلسطيني الراهن ومنع الأزمة التي تهدد حاليا بكارثة إنسانية في غزة. وبالرغم من أن المعونات أثبتت كونها ضارة أكثر من نافعة بمعزل عن اتفاق سياسي واضح فإن بوش وrdquo;اللاعبينrdquo; معه ما زالوا يواصلون الحرث في البحر.
رسالة إلى الفلسطينيين
ومع ذلك يستمر أولئك ldquo;اللاعبونrdquo; في تسليط الأضواء على حركتهم السياسية، بحجج تتراوح بين عزل ldquo;الإرهابrdquo; وبين الأمن والشرعية والسعي من أجل سلام موهوم ويغمضون عيونهم، غارقين في رطانة حججهم لاستثمار ldquo;نافذة الفرصةrdquo; المتاحة، عن مأساوية الأزمة الاقتصادية والكارثة الإنسانية الوشيكة بينما هم على أرض الواقع في القطاع المحاصر يعزلون قنبلة موقوتة إن انفجرت ستفجر معها كل شرعية ومصداقية سياسية للأطراف المشاركة في صنعها وتفجر معها أي احتمال واقعي لتدارك الأزمة السياسية الفلسطينية قبل أن تتحول إلى انقسام لا رجعة عنه وأي مصداقية للجهود التي تقول الأطراف المشاركة في الحصار إنها تبذلها لإحياء عملية سلام عقيمة من المؤكد أن أي انفجار إنساني في غزة لن يكون إلا رصاصة رحمة لها.
وبينما تستمر ساعة قنبلة غزة الموقوتة في الدوران، تغرق وسائل الإعلام الرأي العام في ملاحقة تفاصيل التلاسن المقيت بين طرفي الأزمة السياسية الفلسطينية وفي تحليلات لا يقرأ معظمها أحد لجدوى ومضمون لقاءات القمة نصف الشهرية بين القيادتين الفلسطينية وrdquo;الإسرائيليةrdquo;، ولمؤتمر العلاقات العامة الذي اقترحه الرئيس بوش بصورة غامضة في الخريف المقبل لإحياء عملية السلام العربية - ldquo;الإسرائيليةrdquo;، وللزيارة التي قامت بها وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس للمنطقة لتسويق اقتراحه، والزيارة التي قام بها للمنطقة المبعوث الخاص للجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وكذلك الزيارة التي وصفت بالتاريخية لأنها كانت الأولى من نوعها التي قام بها وزيرا الخارجية الأردني عبد الإله الخطيب والمصري أحمد أبو الغيط لrdquo;إسرائيلrdquo; لعرض مبادرة السلام العربية على قادتها.
ويستهدف هذا التدافع في الحركة الدبلوماسية، نقل رسالة إلى الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال خصوصا في قطاع غزة للمقارنة بين وضعه في غزة ldquo;المحررةrdquo; لكن المعزولة سياسيا ودبلوماسيا عن العالم وحتى عن جوارها ldquo;الشقيقrdquo; المباشر والمحاصرة بآلة الحرب ldquo;الإسرائيليةrdquo; التي تسد كل منفذ لها إلى الخارج، وبين وضعه في الضفة الغربية حيث يمنح الأمل في تسهيل حياته اليومية عبر حواجز الاحتلال وفي مستقبل اقتصادي واعد بعد عودة أموال الدول المانحة إلى التدفق وحيث يمنح ldquo;أفقا سياسياrdquo; باستمرار الاتصال الدبلوماسي مع العالم ldquo;المتحضرrdquo; في الخارج. وربما تمثل التقارير الإعلامية عن مدينة كبرى سيجري بناؤها بين مدينتي نابلس ورام الله، لتكون ثاني أكبر مدينة يبنيها العرب في فلسطين بعد الرملة، خير مثال للآمال التي يجري تسويقها لإيصال هذه الرسالة إلى الشعب المنكوب بالاحتلال منذ ستين عاما.
لو كان المهاتما غاندي حياً
وفي خضم هذه الحراك الدبلوماسي الذي لا بركة فيه حتى الآن لا يحرك أحد ساكنا لتسليط ولو بعض الضوء على أزمة غزة الإنسانية سوى تحرك ldquo;حركة غزة الحرةrdquo; أو ldquo;حرية الحركة لغزةrdquo; لتنبيه الرأي العام الإقليمي والدولي إلى التهديد الكامن في وضع غزة الراهن على أمل أن يستيقظ العالم لكي ينزع فتيل القنبلة الموقوتة التي تكاد تنفجر في القطاع، أو في ldquo;المحافظات الجنوبيةrdquo; لدولة فلسطين المرجوة وهو المسمى الذي يتفق عليه طرفا الأزمة ويختلفان على كل ما عداه.
وكان حوالي مائة متطوع فلسطيني وrdquo;إسرائيليrdquo; وأمريكي وأوروبي وإفريقي وآسيوي، منهم أئمة مسلمون وحاخامات يهود ورجال دين مسيحيون وبوذيون وبرلمانيون بريطانيون وفنانون مشهورون وصحافيون معروفون دوليا وناجون من ldquo;النكبةrdquo; الفلسطينية وrdquo;الهولوكوستrdquo; النازي، قد قرروا اختراق الحصار ldquo;الإسرائيليrdquo; بالإبحار من قبرص إلى غزة على عدد من الزوارق يحمل كل منها بين 12 و60 راكبا في مهمة معلنة أهدافها:
(1) فتح غزة أمام العالم من دون قيود على طرق الوصول إليها أي ldquo;السيادة الفلسطينيةrdquo;.
(2) إظهار أن ldquo;إسرائيلrdquo; ما زالت تحتل غزة بالرغم من نفيها ذلك.
(3) إظهار التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني في غزة وفي بقية فلسطين.
(4) إظهار جدوى الوسائل السلمية غير العنيفة. وينتمي أكثر من 35 من منظمي ldquo;المشروعrdquo; إلى 13 بلدا وقد طلبوا مشورة ldquo;السلام الأخضرrdquo; وغيرها من المنظمات الدولية للدعم اللوجستي، لكي يتجنبوا مخاطر المعيقات الأمنية ldquo;الإسرائيليةrdquo; المتوقعة.
في الرابع من الشهر الجاري قالت صحيفة ldquo;ديلي إيندياrdquo; الهندية إن الزعيم الروحي للاعنف في العالم وrdquo;أبو الأمة الهنديةrdquo; المهاتما غاندي لو كان حيا لتوجه اليوم إلى قطاع غزة ليقف ldquo;كتفا إلى كتف مع الفلسطينيينrdquo;، كما قال حفيده من أصغر أبنائه راجموهان ديفداس غاندي (72 سنة). لكن لا أحد من وزن المهاتما أو ممن يقلون عنه شأنا، بالرغم من كثرة حاملي جائزة نوبل للسلام، فكر حتى بالتوجه إلى غزة، غير أن العديد من الرجال والنساء المعروفين رفعوا أصواتهم محذرين للحيلولة دون وقوع الكارثة الإنسانية التي تتفاعل حاليا في القطاع المحاصر، منهم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ونائبه للشؤون الإنسانية وإغاثة الطوارئ جون هولمس ومدير نشاطات البنك الدولي في مناطق السلطة الفلسطينية بالوكالة فارس حداد زيفروس والمفوضة العامة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) الأمريكية كارين أبوزيد ومديرها في غزة جون غينغ ومنسق الأمم المتحدة الإقليمي في الشرق الأوسط مايكل وليامز وغيرهم.
تحذيرات وآذان صماء
وقد حذر هؤلاء من ldquo;الآثار الإنسانية القاسيةrdquo; لrdquo;الأزمة الاقتصاديةrdquo; التي تتفاقم في القطاع ومن ldquo;خطر انهيار لا رجعة عنه عمليا لأساسات اقتصاد غزةrdquo; وأعلنت أبوزيد أن ldquo;اقتصاد غزة سوف ينهار ما لم تفتح معابرها للصادرات وليس للواردات فقطrdquo;. ولاحظ غينغ أن 1.1 مليون فلسطيني هناك يعتمدون الآن على المعونات الدولية وأن موارد الأمم المتحدة يمكن أن تعجز عن مواجهة ldquo;الأزمة الإنسانية الوشيكةrdquo; وأن الهيئة الأممية علقت مشاريع حيوية لبناء المدارس والمساكن ومعالجة مياه الصرف الصحي بقيمة 93 مليون دولار أمريكي لأن الإسمنت وغيره من مواد البناء قد نفدت من القطاع، وأشار إلى أن هذه المشاريع تشغل 121 ألف فلسطيني في منطقة لا يزيد دخل الفرد بين 80 في المائة من سكانها على دولارين في اليوم، بينما اقتبس وليامز من بيانات البنك الدولي ليبلغ مجلس الأمن الدولي مؤخرا أن 75 في المائة من مصانع القطاع قد أغلقت وأن 68 ألف وظيفة قد ضاعت منذ حزيران/ يونيو الماضي. أما برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة فلاحظ ldquo;نمواً في انعدام الأمن الغذائيrdquo; في غزة بعد أن ألغت ldquo;إسرائيلrdquo; الكود التجاري للقطاع واحتجزت أكثر من 1300 حاوية في موانئها ما قاد إلى نقص في حليب الأطفال والزيوت النباتية والإمدادات الطبية.
وانضمت منظمات إغاثة أيضا إلى التحذير من الكارثة الوشيكة، مثل ldquo;أوكسفامrdquo; التي حذرت من ldquo;اليأس المتزايد لأبناء غزة حيث وردت تقارير عن نقص في الوقود والمياه والغذاءrdquo; وحيث ldquo;سيواجه الآلاف من اللاجئين عبر غزة قطعا وشيكا للمياه وخدمات الصرف الصحي إذا لم يتم التزود بالوقود خلال الأيام والأسابيع المقبلةrdquo;. وكانت منظمة حقوق الإنسان ldquo;الإسرائيليةrdquo; ldquo;بيتسيلمrdquo; قد وجهت ldquo;نداء عاجلا من جماعات حقوق الإنسان ldquo;الإسرائيليةrdquo; إلى وزير الدفاع الإسرائيليrdquo; جاء فيه: ldquo;افتحوا حدود غزة لمنع أزمة إنسانيةrdquo;، أما ليز سامس من منظمة ldquo;كيرrdquo; الدولية فحذرت بأن برامج المعونات الدولية ستظل ldquo;حلماrdquo; طالما ظلت حدود القطاع مغلقة. وفي الثالث من أغسطس/ آب الماضي ذكر تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي المحتلة أن الأغلبية الساحقة من الصناعات التي تعتمد على الاستيراد قد أغلقت ولم يبق منها إلا عشرة في المائة تعمل جزئيا. وحذر هولمس، نائب كي مون: ldquo;إننا بحاجة لنرى جميع المعابر تعمل على الأقل كما كانت قبل 9 حزيران / يونيو وإلا فإننا نخاطر بمواجهة مصاعب اجتماعية واقتصادية وإنسانية خطيرةrdquo;.
وقد خلص المركز القانوني ldquo;الإسرائيليrdquo; لحرية الحركة ldquo;غيشاrdquo; في تقرير له عن الوضع السائد في القطاع منذ شهرين إلى أن سياسة الحصار ldquo;تدمر قطاع الأعمال وتخلق نظاما جديدا للرعاية الاجتماعية في غزة وتحول أعدادا متنامية من سكان القطاع إلى عالة على وكالات الرعاية الدولية والجمعيات الخيرية الدينية، حيث يعيش 87 في المائة منهم اليوم تحت خط الفقر، بينما تختفي الفرصة للعيش بكرامة وبناء مجتمع يعمل بطريقة سليمةrdquo;. واقتبست ldquo;غيشاrdquo; من رئيس اتحاد الصناعيين ldquo;الإسرائيليينrdquo; شراغا بروش قوله إن ldquo;المقاطعة الاقتصادية المفروضة على قطاع غزة، سوف تقود في النتيجة إلى كارثة إنسانية وتغذي ألسنة اللهب وتقود إلى تدهور الوضع الأمني، وضع سيكون مدمرا للاقتصاد الإسرائيليrdquo;.
وتسيطر ldquo;إسرائيلrdquo; سيطرة كاملة على أجواء غزة ومياهها الإقليمية وتدير غزة تجارتها الخارجية عبر الموانئ ldquo;الإسرائيليةrdquo; فقط من خلال خمسة معابر برية يديرها جيش الاحتلال تعرف بأسمائها العبرية أكثر من العربية وهي إيرز وكارني وناحال عوز وصوفا وكرم سالم وقد أغلقت جميعها منذ العاشر من حزيران / يونيو الماضي بينما يعتمد 95 في المائة من صناعات غزة على المواد الخام المستوردة. وفي السادس والعشرين من الشهر الماضي طالب المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة (إيكوسوك) في قرار له بعد انعقاده بجنيف ldquo;إسرائيلrdquo; بأن تلتزم بالبروتوكول الاقتصادي الموقع بين حكومتها ومنظمة التحرير الفلسطينية.
أما معبر رفح بين القطاع ومصر، المنفذ الوحيد لغزة إلى العالم، فإن الأطراف الخمسة الموقعة على اتفاقية فتحه العام الماضي، وهي ldquo;إسرائيلrdquo; ومصر والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، قد خصصته للناس لا للتجارة ومنحت ldquo;إسرائيلrdquo; الدور ldquo;الأمنيrdquo; كشريك خامس في إدارته وقد أغلق بدوره مع المعابر التجارية الخمسة ما قاد إلى المأساة الإنسانية المستمرة لاحتجاز أكثر من ستة آلاف فلسطيني على الجانب المصري أغلبهم من المرضى والنساء والأطفال والمسنين مات منهم 31 إنسانا قبل أن تتفق الأطراف الخمسة على عودة بضع مئات منهم عبر معبر كرم سالم المصري- ldquo;الإسرائيليrdquo;.
مؤشرات سلبية
إن التدخل الخارجي الأمريكي والأوروبي، الذي تبنى الشروط ldquo;الإسرائيليةrdquo; لتوصيف من هو شريك السلام الفلسطيني، قد عمق الانقسام الفلسطيني وحال دون نجاح حكومة الوحدة الوطنية وأجهض اتفاق مكة لتشجيع الانقلاب السياسي على نتائج الانتخابات التشريعية أوائل عام 2006. لقد ساعدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بخاصة ldquo;بأقوالهما وأفعالهماrdquo; في إقناع ldquo;عناصر مهمةrdquo; فلسطينية بأن ldquo;حكومة الوحدة كانت ظاهرة مؤقتةrdquo; غير أن ldquo;المفارقة تكمن في أنه كلما كانت استراتيجية تقوية عباس أكثر نجاحاً، كان دافع حماس لإحباطها أكبرrdquo;، طبقا لتحليل لrdquo;مجموعة الأزمات الدوليةrdquo; في الثاني من الشهر الجاري: ldquo;إنهم يأملون في إرغام حماس على الخروج أو على الاستسلام بإحراز تقدم في الضفة الغربية وبالجمود في غزة وبالضغط المتزايد من الفلسطينيين، لكنهم مخطئون... فطالما استمر الانقسام الفلسطيني سيظل أي تقدم على أرض مهتزة، فالأمن وأي عملية سلام لها مصداقية يعتمدان على حد أدنى من التوافق الفلسطيني الداخليrdquo;.
وعواصم هذا التدخل الخارجي في الشأن الفلسطيني تمثل الآن دور المراقب المتفرج للتعتيم على دورها في إيصال الوضع الفلسطيني إلى ما آل إليه الآن بتسليط الأضواء على الخلافات الفلسطينية- الفلسطينية باعتبارها المسؤولة الأولى. وإذا كان منطقيا تحميل طرفي الخلاف مسؤولية مشتركة عن ldquo;الأزمة السياسيةrdquo; التي تعذر حلها حتى الآن، فإن تحميل حماس المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية التي تتطور حاليا إلى كارثة إنسانية منطق مبالغ يجافي الحقيقة بينما عدم منح منظمة التحرير وسلطة الحكم الذاتي الأولوية لفك الحصار عن غزة لا يعفيهما من المسؤولية أيضا.
قال معاون كبير لعباس هو كبير المفاوضين صائب عريقات إنه سيكون من ldquo;قصر النظرrdquo; محاولة استثمار إغلاق غزة لتحقيق كسب سياسي: ldquo;لا أحد يفكر بهذه الطريقة في مكتب عباسrdquo;، غير أن مجموعة من المؤشرات أظهرت المنظمة والسلطة كمن يقف سلبيا أو محايدا حيال محنة غزة، مما شجع بعض قيادات حماس هناك مثل وزير الخارجية السابق محمود الزهار على اتهامهما بالتواطؤ مع الحصار في تصريحات سلبية بدورها لأنها تساهم في تأجيج التناقض الثانوي الداخلي على حساب التناقض الرئيسي مع القوة المحتلة وراعيها الأمريكي. ومن هذه المؤشرات مثلا مسايرة السلطة في رام الله لإصرار ldquo;إسرائيلrdquo; على عدم حل مأساة العالقين على معبر رفح إلا عبر معبر كرم سالم المصري- ldquo;الإسرائيليrdquo; بحجة حدوث سابقة لذلك قبل سيطرة حماس على غزة وعدم إعلان السلطة موقفا قاطعا وواضحا بضرورة فتح معبر رفح.
وكان أحدث المؤشرات معارضة السلطة لمشروع بيان من مجلس الأمن الدولي يطالب ldquo;إسرائيلrdquo; بفتح معابر غزة صاغته قطر وإندونيسيا بحجة أن البلدين لم يستشيرا الجانب الفلسطيني مسبقا، في تخبط دبلوماسي أتاح أولا لوسائل الإعلام أن تلاحظ وقوف المندوبين الفلسطيني وrdquo;الإسرائيليrdquo; جنبا إلى جنب في معارضة المشروع ووضع الدبلوماسية الفلسطينية ثانيا في موقف حرج مع دولتين صديقتين اضطرت فيه إلى احتواء مضاعفات تلك المعارضة. فبينما اكتفت الدبلوماسية الفلسطينية بتصريح لناطق رسمي لتأكيد العلاقات المتينة مع قطر، فإنها أرسلت وزير الخارجية السابق نبيل شعث مبعوثا خاصا للرئيس محمود عباس إلى جاكارتا حيث ناشد المجتمع الدولي المساعدة على رفع حصار غزة لأنه كما قال يدفع الفلسطينيين هناك نحو المجاعة. ماذا كان سيضير السلطة لو احتجت لدى الدولتين على عدم استشارتها مسبقا من دون ضجة ثم أيدت طرح المشروع لمنع تحويل معارضتها المعلنة إلى ذريعة للمطالبين بسحبه؟
حصار قديم
الحصار الحالي المحكم المفروض على القطاع أقدم كثيرا من سيطرة حماس عليه وكان جزءا من الحصار الشامل على الفلسطينيين تحت الاحتلال في القطاع والضفة معاً، لذلك فإنه خطأ سياسي وإعلامي الاستمرار في التجاذب بين طرفي الأزمة الفلسطينية بشكل يحجب هذه الحقيقة عن وعي الرأي العام. ففي شهر كانون الأول / ديسمبر 2006 وجهت 12 وكالة تابعة للأمم المتحدة مع 14 منظمة غير حكومية عاملة في الأراضي المحتلة نداء طوارئ لجمع مبلغ يزيد على 450 مليون دولار لمواجهة الاحتياجات الإنسانية الفلسطينية المتزايدة خلال عام 2007.
لقد أحبطت ldquo;إسرائيلrdquo; وإدارة بوش، خصوصا إيليوت أبرامز، مهمة أوكلتها اللجنة الرباعية الدولية لموفدها الخاص جيمس وولفنسون قبل أشهر من ldquo;خطة الانفصالrdquo; التي أعاد رئيس الوزراء ldquo;الإسرائيليrdquo; السابق أرييل شارون بموجبها انتشار قوات الاحتلال ومستوطنيه إلى خارج قطاع غزة أواسط عام 2005 بعد أن أعد وولفنسون خطة لتنمية غزة لتكون نموذجا اقتصاديا للدولة الفلسطينية الموعودة وجمع لهذا الغرض ثمانية مليارات دولار بل واستثمر بضعة ملايين من ماله الخاص في الدفيئات الزراعية التي خلفها المستوطنون من المستعمرات التي أخلوها في القطاع قبل أن تخذله واشنطن وتل أبيب ليستقيل ldquo;مهاناrdquo;، كما قال ناشط السلام ldquo;الإسرائيليrdquo; يوري أفنيري في مقال له تعليقا على مقابلة لوولفنسون مع صحيفة ldquo;هآرتسrdquo; الشهر الماضي. وكان فتح منافذ غزة البرية مع ldquo;إسرائيلrdquo; ومصر وفتح ممر حيوي بين غزة والضفة الغربية حجر الأساس في خطته. وقال أفنيري إن الهدف من المقابلة التي منحها لهآرتس كان تحذير ldquo;الإسرائيليينrdquo; من أن ldquo;الزمن لا يعمل لمصلحتنا، فالساعة الديموغرافية تدقrdquo;. واتهم وولفنسون، وهو يهودي، أبرامز علنا بإحباط خطته وحمل اللاعبين الكبار مسؤولية صعود حماس.
إن مليارات الدولارات المسحوبة من جيوب دافعي الضرائب في الدول المانحة التي قدمت للفلسطينيين ذهبت هدرا لأنها لم تستطع بالرغم من ضخامتها أن تضمن إبقاء معبر واحد بين ldquo;إسرائيلrdquo; والقطاع هو كارني، الشريان التجاري الحيوي للقطاع، مفتوحا، لتتحول هذه المليارات إلى أداة بيد الاحتلال لضمان تهدئة الشعب الرازح تحت الاحتلال منذ عام 1967 ولكسب الوقت لمضاعفة عدد مستعمراتها الاستيطانية وزيادة عدد مستوطنيها إلى أكثر من 450 ألفا في ldquo;المحافظات الشماليةrdquo; الفلسطينية.
في مقال لها نشره موقع ldquo;أونلاين جورنالrdquo; الإلكتروني في الثاني من آب/ أغسطس علقت ليندا هيرد على المعونات الأمريكية للعرب باقتباس مثل قديم يقول: ldquo;احذروا اليونانيين عندما يحملون هداياrdquo; قائلة إن المثل يعود في أصوله إلى مسرحية فيرجيل عن حصان طروادة وأضافت إننا إذا استبدلنا كلمة ldquo;اليونانيينrdquo; في المثل القديم بكلمة ldquo;الأمريكيينrdquo; فإن التحذير الذي ينطوي عليه يصبح صالحا اليوم.
- آخر تحديث :














التعليقات