ليونيد ألكسندروفتش
مصطلح الحرب الباردة مصطلح سياسي وليس عسكرياً، فالحرب الباردة لا علاقة لها بالجيوش وخططها واستعدادها لخوض المعارك، ولا يؤثر التصعيد في الحرب الباردة على الجيوش التي لا تتعامل مع الدعاية والشعارات السياسية بل تتعامل مع الأوامر العليا لها بالاستعداد والتحرك والهجوم، وكم مرة تبادلت واشنطن وموسكو التصريحات الحادة التي أدت إلى أزمات سياسية ودبلوماسية لكنها كلها كانت تمر على الجيوش بهدوء دون أية فاعلية.
وبات واضحاً أنه بمقدار ما حققه السلاح النووي من ردع بات يحول دون استخدامه، فإن قوة الجيشين الروسي والأميركية واستعدادهما العالي المستوى لخوض حروب واسعة النطاق شكل هو أيضاً عامل ردع قوياً يحول دون صدام هاتين القوتين، وهو ما اتفق على تسميته بـ laquo;قواعد اللعبةraquo; المتعارف عليها بين البلدين.
وقد أدت أحداث الحرب الماضية في القوقاز واقتحام القوات الروسية للأراضي الجورجية إلى نشوء نزاع laquo;سياسيraquo; حاد بين موسكو وواشنطن، ووصل هذا النزاع إلى درجة دعوة واشنطن الأوروبيين لفرض عقوبات على روسيا، وظن الكثيرون أن البلدين على وشك الدخول في أزمة حادة قد تنفجر في القوقاز، ولكن لم تمض الأيام إلا وعاد الهدوء بين البلدين، وعاد التعاون بينهما في مختلف المجالات وعلى رأسها المجال العسكري.
فقد شهدت فنلندا في 22 أكتوبر لقاءً ضم رئيسي أركان الجيشين الروسي والأميركي الجنرال نيقولاي ماكاروف والأميرال مايكل مالين. وأتى هذا اللقاء إيذاناً باستئناف الحوار الذي أوقفه ما جرى في الحرب الماضية في القوقاز في نهاية الصيف الماضي بين عسكريي روسيا والولايات المتحدة الذين يرون على خلاف زملائهم السياسيين أن المواجهة لا تستجيب لمصالح بلديهما.
وفضلاً عن ذلك فإن الجيش الأميركي الذي غرق في أفغانستان والعراق لا يستطيع تحمل صيحات وشعارات حرب باردة أخرى مع روسيا. ورأى رئيسا أركان القوات المسلحة الروسية والأميركية أن وقف التعاون المشترك في معالجة بعض القضايا الدولية كمكافحة الإرهاب الدولي ومنع انتشار الأسلحة النووية، لا يجوز، واتفقا على مواصلة الاتصالات الهاتفية أو عقد لقاءات مباشرة عند الضرورة.
ويتوقع المراقبون أن تستأنف روسيا والولايات المتحدة التعاون العسكري بصورة أو أخرى. ذلك لأن عسكريي البلدين لا يستطيعون، بل لا يريدون بدء حرب باردة جديدة في وقت بدأ فيه الجيش الروسي إصلاح هياكله وإعادة تأهيل وحداته وتحديثها، بينما غرق الجيش الأميركي في العراق وأفغانستان، بمعنى أنه لا يجوز لأي من الجيشين أن يستغل تراجع أو انشغال الجيش الآخر ليطور قواته ويحشدها بالشكل المثير للقلق والاضطراب.
وحتى ما قامت به الطائرات الاستراتيجية الروسية من تحليقات في المحيطين الهادي والأطلسي فوق القواعد الأميركية لم يثر أي قلق أو توتر لدى الجيش الأميركي، وبدا وكأنه أمر متعارف عليه. وكذلك تحركات سفن وبارجات الأسطول الحربي الروسي وزياراتها لموانئ بعض الدول في البحر المتوسط وبحر الكاريبي أيضاً لم تثر الجانب الأميركي، فالجيوش الكبيرة تحتاج دائماً لتحريك قواتها في اتجاهات مختلفة على سبيل التدريب وتفعيل القوات.
وكان الوضع الصعب الذي أصبحت فيه قوات الحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان، أحد الدوافع من وراء إقدام القيادة العسكرية الأميركية على استئناف الحوار مع موسكو. وأوضح الخبير الأميركي جيفري مانكوف قائلاً: إننا في أمس الحاجة إلى نقل الإمدادات المطلوبة لقواتنا في أفغانستان عبر روسيا.
وكانت غالبية الإمدادات تصل إلى القوات الحليفة في أفغانستان عبر باكستان حتى الآن. إلا أن أمن هذا الممر أصبح موضع شك بقدر ما تدهورت العلاقات بين واشنطن وإسلام أباد. ويرى بعض الخبراء أن روسيا ستشترط للموافقة على نقل الإمدادات إلى القوات الأميركية في أفغانستان وقف الدعم العسكري والسياسي للنظام الحاكم في جورجيا وتعديل الموقف من مشروع المنظومة الصاروخية الدفاعية الأميركية في شرق أوروبا. وأكدوا أن استئناف الحوار العسكري سيساعد الجانبين الروسي والأميركي على التوصل إلى اتفاق.















التعليقات