laquo;بماذا يفكّر وليد آل ابراهيم؟ raquo; سؤال ردّده على مسامعي أكثر من مرّة كبار الإعلاميين المنافسين لمجموعة laquo;إم. بي.سي. raquo;، في محاولة منهم لاستشراف النجاح التالي الذي سيحققه هذا الرجل، صاحب الرؤية الإعلامية الثاقبة. لقد كانت مسيرة laquo;إم.بي.سي. raquo; منذ انطلاقها عام 1991 أول قناة فضائية عربية خاصة، وحتى توسّعها لتشمل ستّ قنوات ومحطتين إذاعيتين ومجلة تلفزيونية ومنصات تفاعلية وإعلام جديد، مسيرة محفوفة بالمخاطر والتحدّيات، عرف آل ابرهيم كيف يزرع نجاحاتها ويقطفها موسماً موسماً. لكنّ هذا ليس كلّ شيء عنه. فوراء هذه الشخصية الحديد، إنسان من عاطفة ومشاعر. إبن بارّ، ووالد حنون، وصديق وفيّ... أولئك الذين ينجحون، لكثرة ما ينجحون، ننسى انهم بشر، وانهم، مثلنا تماماً، يحزنون ويفرحون ويقلقون ويدمعون. تهزّهم ذكريات جميلة، وتحفّزهم أحلام جامحة. على مدار ساعة ونصف الساعة من الزمن، وفي مكتبه القائم في مقرّ laquo;إم.بي.سي raquo; العام في مدينة الإعلام في دبي، استقبلني الشيخ وليد آل ابراهيم في حوار استثنائي لم أتوقّع له هذا التدفّق الفكري الصريح.
حاورته في دبي- فاديا فهد

{كنت أول من أطلق محطة فضائية، فحملت إسم laquo;أبو الفضائيات العربية raquo;. ماذا غيرت الفضائيات في حياة المشاهد العربي؟
أعتقد جازماً ان الفضائيات العربية كسرت الحواجز، ورفعت الأيادي والذهنيّات التي كانت تسيطر على عقل المواطن العربي، حكومية كانت أم غير حكومية، وتحدّد له ما يمكن أن يطّلع عليه وما يُحجب عنه، ما أدى الى انعزال المجتمعات العربية عن العالم انعزالاًَ كاملاًَ، وساهم في غياب الحوار وتوسيع هذا الصدع المخيف بيننا وبين الآخر، وهو ما صار يعرف لاحقاً بصراع الحضارات. وقد جاءت أحداث 11 أيلول/سبتمبر الأليمة وما تبعها، لتزيد في هذا الشرخ وتجعل من حوار الحضارات أمراً حيويّاً وأكثر إلحاحاً. شخصياً، أؤمن بأن للفضائيات دوراً في توعية المواطن العربي وانفتاحه على الحضارات والثقافات المختلفة وإطلاعه على رأي الآخر فيه وفي مجتمعه، والحدّ من هيمنة الجهل الذي ينادي بالإنغلاق والتقوقع. وقد استطعنا
وغيرنا من الفضائيات العربية، أن نُحدث تغييراً كبيراً ونوعيّاً على المستوى الإعلامي، ولكن يجب أن يأتي مصحوباً بتعديل في المناهج التعليمية العربية، خصوصاً تلك التي ترى في الآخر المختلف خصماً أو عدواً، وتدعو الى عدم الحوار والتواصل معه. ونحن كمجموعة إعلامية مستعدّون للعب دور مكمّل للمناهج التعليمية المعدّلة لتواكب تحدّيات العصر وتساهم في المحافظة على هويّتنا العربيّةمع انتمائنا إلى عصر العولمة واقتصاديّات المعرفة التي لا حدود جغرافيّة أو زمنيّة لها.
{ذكرتَ ان عزلة المواطن العربي زادت أكثر بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، فهل هذا يعني مسؤولية مضاعفة ملقاة على عاتق الإعلام العربي؟ هل من رسالة معيّنة بات الإعلام العربي يحملها اليوم؟
لا شكّ في أن مسؤولية الإعلام العربي تضاعفت بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر الأليمة، وقد باتت رسالته رسالة الإنفتاح بامتياز، ولكن يجب القول ان ردود الفعل القوية لا بل العنيفة
والمعمّمة لدى البعض في الغرب، لم تساعدنا في إيصال رسالتنا هذه. فقد حاكم هؤلاء العالم العربي والإسلامي بأجمعه على ما صنعته مجموعة من الضالّين الذين يدّعون الإسلام وهو برّاء منهم. مع ذلك لا نلوم الغرب ولا الغربيين، فردود الفعل من هذا
النوع متوقّعة، لا بل طبيعية نظراً لفداحة ما حصل على الصعد الإنسانيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. وإذا عدنا بالذاكرة التاريخية الى الوراء، سنجد العديد من الأحداث المشابهة، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ما حصل في الولايات المتحدة
نفسها بعد حربها مع اليابان، وكيف تمّ اعتقال مئات اليابانيين- الأميركيين في مخيّمات للتحقيق.

{في الوقت نفسه، أنتم متهمون بنقل الحياة الغربية ومفاهيمها الى المجتمعات العربية عبر ما يعرض على قناتي laquo;إم.بي.سي- raquo;4 و laquo;ام بي سي- raquo;2 ، فما هو ردكم؟
هذا ما عنيته تحديداً عندما قلت ان علينا أن نبدأ بفهم الآخر. لقد انعزلنا بما فيه الكفاية في الماضي، وعلينا أن نواجه العالم اليوم كما هو عليه، بغية فهمه أكثر والتفاعل معه والتأثير فيه.
ليس بالضرورة أن نقلّد الآخرين في أسلوب حياتهم، ولكن من المهمّ أن نفهمهم ونتعرّف أكثر إلى قيمهم وطرق تفكيرهم وأنماط حياتهم. لهم حياتهم وتقاليدهم، ولنا حياتنا وتقاليدنا.
وهنا مسؤولية الأهل في تنشئة الأطفال على التسامح وقبول الآخر وفهمه، دون أن يعني ذلك بالضرورة التأثر به أو تقليده.
وهذا ما أفعله شخصياً مع أولادي.

laquo;{ إم.بي.سي laquo; هي المحطة الأولى في السعودية، رغم أن الأصوليين السعوديين يشنون حرباً مستمرة عليها، كيف تواجهون هذه الحملات؟
هناك بعض المتطرفين في السعودية وغيرها من الدول العربية الذين يبالغون في نظرية المؤامرة؛ قد يكون صوتهم عالٍ ولكنهم لا يمثلون المجتمع السعودي على حقيقته. والدليل أن نسبة مشاهدة محطاتنا في السعودية هي الأعلى رغم جنوح قلّة من الناس نحو التشكيك وتشويه الحقائق. فقد استطعنا خلال 17 سنة أن نكسب ثقة المجتمع السعودي كاملاً بكلّ فئاته المحافظة والليبرالية. إذاً، الجواب النهائي أتى ويأتي دائماً من المشاهدين الأوفياء، وهذا أمر نعتزّ به كثيراً ونقدّره.

}مع انتشار فوضى البثّ الفضائي، هل ندمت على إطلاقك الفضائية العربية الأولى؟
كلا، لم أندم. فالفضائيات كانت ستغزو منطقتنا لا محالة، بعدما غزت أميركا وأوروبا. كانت المسألة مسألة وق ت، فقط لا غير، فبادرنا عام 1991 لإطلاق ldquo;ام.بي.سي raquo; كأوّل فضائية عربية خاصّة وهي كانت أول الغيث، وبعدها كرّت السبحة. وما
نعاني منه اليوم من فوضى تلفزيونية فضائية، هو نتيجة غياب الأطر التنظيميّة، إذ لم تأخذ حكوماتنا العربية موضوع البثّ الفضائي على محمل الجدّ. وهنا لا أقصد بالتنظيم أن يُطلب من القنوات الخاصة أن تكون نسخة منقّحة لقنوات حكومية جديدة، بل مشروع تنظيم حديث يوضع بالتعاون مع أهل الشأن لضبط الفوضى وإعطاء الفضائيّات الرائدة الحوافز الكفيلة بتحسين المحتوى والأداء
كمّاً ونوعاً.

}كانت هناك محاولة لتنظيم الإعلام الفضائي عبر إصدار توصية لوزراء الإعلام العرب رأى البعض فيها قيوداً على حرية الإعلام، فما رأيك؟
لست ضد هذه المحاولة، ولكنني أعترض على عدم إشراك أصحاب الشأن الذين هم أدرى الناس بما يمكن أن يُطبّق، وما لا يمكن تطبيقه. فنحن المعنيون المباشرون، وبالتالي علينا أن نكون شركاء أساسيين في أي قانون تنظيمي يتناول الإعلام
المرئي. أما إذا أصرّوا أن يأتي القرار حكومياً بحتاً من دون إشراك أصحاب الشأن، فنقول لهم: laquo;الله يقوّيهم !raquo;

}ولكن ماذا سيكون ردّك م في حال منع بثّ laquo;القناةالمخالفة ؟raquo;
عندها سنكون غير ملزمين بتنظيم كهذا إذ أنه لا قيمة فعليّةة لفرضيّة منع البث في ظل نظام البثّ الفضائي الجديد والمتطوّر تقنيّاً. قد يكون بإمكانهم منع بعضهم من البثّ عبر laquo;نايل سات raquo; أو أي ساتلايت آخر يتحكّمون به، لكنهم غير قادرين حتماً على منع
أيّ منبر إعلامي من التواصل مع المشاهد العربي أينما وُجد، عبر بثّ مباشر وحرّ من أوروبا أو حتى أميركا مثلاً. الساتيلايت موجودة في العالم كلّه اليوم ولا أحد يتحكّم بها. والمقصود بالقول هنا أن أي تنظيم فضائي يجب أن يكون بالتوافق مع أصحاب
المؤسسات التلفزيونية الفضائية وليس فرضاً عليهم. الفرض هنا laquo;كلام فارغ !raquo; الإعلام هو مرفق عام، يدخل بيوت الناس يوميّاً دون استئذان. نحن نعي ذلك تماماً ونتصرّف بكل مسؤوليّة، احتراماً لذكاء
المشاهدين وحفاظاً على عادات مجتمعاتنا العربية وتقاليدها. عن النجاح والمنافسة والحروب الإعلامية
}ما كان هدفك من إطلاق محطة laquo;ام بي سي raquo;؟ وهل حققت هدفك هذا؟
في البداية كان هناك هدفان لا بل تحدّيان: الأول إجرائي يتمثل بالحصول على تراخيص، وقد قوبلت محاولاتنا كلها في ذلك الحين، بالرفض. والثاني هو ترسيخ فكرة التلفزيون التجاري الخاص غير المملوك من الحكومات أو الأنظمة. من الناحيتين،
كان الهدف صعباً جداً، وقد استطعنا، والحمد لله، أن نحقّق أكثر من الهدف المتوقّع.

}وهل بات لكم هدفٌ آخر، وتحديات أخرى اليوم؟
أهدافنا تتغيّر يوماً بعد يوم، لتواكب أكثر تحديات العصر ولتلبّي حاجات المشاهدين لناحية أنماط وأماكن وأوقات استهلاكهم المحتوى التلفزيوني. اليوم صار هدفنا مدّ الجسور بين عالمنا العربي والعوالم الأخرى ونعوّل بذلك على ولاء المشاهدين وثقة
المعلنين لمتابعة تقديم تجربة تلفزيونيّة فريدة ومتكاملة عبر المنصّات المختلفة.

}البعض يؤكد أن نجاح مجموعة laquo;ام بي سي raquo; جاء فقط لأنها كانت المحطة السعودية الأولى، كذلك الأمر بالنسبة الى احتكاركم المحطات الإذاعية في السعودية من خلال laquo;ام بي سي بانوراما raquo; و laquo;ام بي سي اف ام raquo; الأمر الذي ساهم
في انتشار أوسع لكم، فما هو ردك؟

)يضحك قبل أن يجيب( حرام عليكِ! لقد دفعت laquo;ام.بي.سي raquo; الثمن غالياً كونها أول محطة فضائية عربية، ومنيت بخسائر جمّة، قبل أن تتحوّل من قناة واحدة إلى مجموعة إعلاميّة رائدة ومربحة تضمّ اليوم 6 قنوات تلفزيونيّة ومحطتي راديو ومروحة متكاملة من الخدمات التفاعليّة والإعلام الجديد وشركات إنتاج ومجلّة أسبوعيّة ترفيهيّة مختلفة. أما الفضائيات الأخرى التي جاءت بعدنا، فقد وجدت الطريق جاهزة ومعبّدة، وفرص النجاح مفتوحة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الصحن اللاقط
)الدش( قبل laquo;ام.بي.سي raquo; ممنوعاً في المنازل، وقد صار بعدها مسموحاً. في كلّ الأحوال، قنواتنا هي الأولى في دولٍ حيث mbc FM و Panorama FM غير متواجدة فيها مما يدحض هذا الادعاء.

}ما هو سلاحك السرّي في نجاح مجموعة laquo;ام بي سي raquo; وتوسعها لتشمل ست محطات فضائية ومحطتين إذاعيتين ومجلة مطبوعة؟
)يضحك( هذا السؤال يجب أن توجهيه الى الأشخاص الذين يعملون معي... أعتقد ان قوتنا تكمن في عملنا كفريق واحد غير مجزأ، وفي مدى قربنا من المشاهد وانتمائنا الفعلي لمنطقتنا وفهمنا لعاداتنا وتقاليدنا، بالإضافة إلى إيماننا الفعلي بالإعلان
الذي هو أفضل مكافأة للوسيلة الإعلامية الناجحة.

}ولكن ما هي نقاط القوة في مجموعة laquo;ام بي سي ؟raquo;
قوة مجموعة laquo;ام.بي.سي raquo; تكمن في اننا نملك أسماءً تجاريّةً Brand Names صلبة حائزةً على ولاء المشاهدين وثقة المعلنين. فالمشاهد العربي اليوم يشاهد أقنية laquo;ام.بي.سي raquo; بغضّ النظر عمّا يعرض على شاشاتها المتعددة، لا بل أنه يمرّ حتماً بإحدى قنوات laquo;ام.بي.سي raquo; قبل أن يشاهد برنامجاً يحبه على قناة أخرى. قوّة مجموعة laquo;ام.بي.سي raquo; تكمن أيضاً في الرأسمال البشري الذي نملك، وفي مدى قدرتنا على اجتذاب أكثر الإداريين والإعلاميين والتقنيين احترافاً وإبداعاً وقدرة على التخطيط المسبق واستشراف المتغيّرات في عالم الإعلام والإعلان. كما أن قوّتنا تكمن في السياسة الواضحة التي ننتهجها لناحية إطلاق أقنية متخصّصة بالإضافة إلى التركيز على المحتوى الذي هو كلّ شيء Content is King والبرمجة والشكل والصورة المؤسستيّة لأقنيتنا التي تحاكي العصر وتناسب أذواق المشاهدين.

}وماذا عن نقاط الضعف؟
أعتقد ان نقطة ضعفنا تكمن في أننا في سوق ناشئة غير مستقرّة أمنياً وسياسيّاً واقتصادياً وتجارياً، وهذا ينعكس على دخلنا الإعلاني الذي يتأرجح من يوم الى آخر، بين الممتاز والحسن. إضافة الى ان الإحصاءات والإستبيانات التي تتناول عالمنا العربي غير منصفة وبحاجة إلى مزيد من الدقّة والمصداقيّة.

}كيف تكون الإحصاءات غير منصفة، وأنتم تحتلّون المركز الأول فيها؟
الجميع يعترف بتبوّئنا المراكز الأولى بامتياز، ولكن السؤال هو حول مدى قدرة الدراسات الإحصائيّة على التحديد الدقيق والعلمي لهذه الريادة بالأرقام غير القابلة للشكّ، وكذلك قدرتها على تحديد الفرق الذي يفصل بين أقنيتنا وأقرب المنافسين
لها بشكل يومي، لا بل دقيقة بدقيقة. فعلى سبيل المثال، تشير بعض الإحصاءات إلى أن معدّل مدّة المشاهدة التلفزيونية اليومية في السعودية هي 3 ساعات فقط، في حين أنها في أميركا 8 ساعات. وهنا أتساءل: أين يمضي باقي المواطنين العرب أوقاتهم\ وماذا يفعلون لتمضيتها؟! شخصياً أعلّق آمالاً كبيرة على وحدات قياس المشاهدة people meters لإدخال مزيد من المصداقية والشفافيّة والدقة إلى عالم الدراسات الإحصائيّة.

}هناك حرب إعلامية، فضائية... لقد كانت الجزيرة في مواجهة انتشار laquo;ام بي سي raquo;، ثم انطلقت العربية رداً على نجاح الجزيرة، واليوم جاء تجمع laquo;روتانا - ال بي سي raquo; رداً على نجاح مجموعة laquo;ام بي سي raquo;، كيف تنظر الى خريطة الفضائيات اليوم، وما هو موقع مجموعة laquo;ام.بي.سي raquo; فيها؟

مجموعة laquo;ام.بي.سي raquo; في موقع بعيد كل البعد عن الحروب والمشاحنات الإعلامية. على العكس، نحن نتعاون مع الجميع. بيننا وبين laquo;روتانا raquo; و laquo;اي.آر.تي raquo; تعاون مباشر، كذلك يسود
الانفتاح علاقتنا مع بعض الإعلام القطري. الجميع في مرحلة بناء وتكامل، وبالتالي فإن مرحلة المنافسة الفعليّة لم تبدأ بعد\ لأننا في أسواق ناشئة، كما ذكرت. إذاً مصلحتنا جميعاً تكمن في تعاوننا لا في تناحرنا وذلك بهدف توسيع السوق والارتقاء بها إلى المستوى العالميّ.

}هل تبع الإنفتاح الإعلامي مع بعض وسائل الإعلام القطرية، الإنفتاح السياسي الذي ساد العلاقات القطرية - السعودية أخيراً؟
الواقع أنه لم يكن لدينا في الماضي مراسلون تلفزيونيون في قطر،
ولم نكن لنعرف السبب. اليوم هناك انفتاح أكبر.

http://pdf.lahamag.com/pages/05-2008/400Interview01.pdf