محمد علي الرياحي
جاء إحداث تونس لإذاعة quot;الزيتونة للقرآن الكريمquot; بإذن من الرئيس زين العابدين بن علي مع تزامن البث في بداية شهر رمضان الكريم ليؤكد مدى ما توليه تونس اليوم من عناية بالاسلام الحنيف وتعاليمه في رؤية اجتهادية مستنيرة تعزز مقومات الهوية العربية الاسلامية لهذا البلد.
إن تونس اليوم تعتز بتجذر قيم الاسلام الحنيف وقيم الاعتدال والتسامح في مجتمعها ذلك انه لأول مرة في تاريخ تونس الحديث نلمس هذا التناغم الكبير بين القيادة والشعب الذي استشف منذ تغيير السابع من نوفمبر 1987 بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي عزم القيادة السياسية وصدقها في تعزيز مقومات الدين الاسلامي.
ولئن ظل عنصرالهوية حاضراً باستمرار في سياسة وحركة عهد السابع من تشرين الثاني فإن مفهوم الهوية كثيراً ما يأخذ مدلولات متعددة تتجاوز أبعادها أحياناً دائرة الحلقة الدينية إلا أن هذه المدلولات مهما اتسعت فإن خيوط الربط التي تمسكها الى الهوية والى مبادئ وتعاليم الدين الحنيف تظل أقوى من أي شيء آخر.
فهذه الصفات الجوهرية ليست نائمة أو ثابتة بل تكتسب حقيقتها من حركة التاريخ الدائمة التي تكيفها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية من الداخل ومن الخارج بحكم ما جبلت عليه تونس من تفتح يحكمه قانون الأخذ والعطاء في عصر التحولات العالمية الكبرى.
الزيتونة.. عودة الإشعاع
برغم ضخامة التحديات وتزاحم الملفات والقضايا الملحة التي كانت تتطلب المعالجة السريعة والجهود الضخمة والحسم العاجل، كانت غبطة الشعب التونسي كبيرة يوم 28 تشرين الثاني 1987 لما نودي بالآذان للصلاة في أول وقتها بالاذاعة الوطنية وبكامل الاداعات الجهوية ثم بالتلفزة وبث الخطبة الجمعية عبر مختلف أجهزة الاعلام وبعد احتجاب خدش الهوية واستغرق نحو ثلاث عشريات، قرر العهد الجديد في غرة كانون الأول 1987 إعادة جامعة الزيتونة أقدم وأعرق جامعة اسلامية وأسبق المعاهد التعليمية للعروبة مولداً.
إن هذه الجامعة التي حملت مشعل الثقافة العربية الاسلامية أكثر من ثلاثة عشر قرناً بدون انقطاع خصها بن علي برعاية هي في أهمية مكانتها لدى قلوب أبناء وأجيال تونس والعرب والمسلمين عامة فمنها أشعت فضائل وثقافة الدين الاسلامي على كل بلاد المغرب العربي والأندلس غرباً والى ما وراء الصحراء الافريقية في الجنوب ثم الى صقلية وإيطاليا كما تخرج من الزيتونة جهابذة في أصول الفقه الاسلامي وفي تدريس العلوم وتدوينها وفي درس المسائل كما تخرج منها العلماء والمفكرون والمصلحون ورواد الحداثة والفكر والأدب من عبد الرحمن ابن خلدون الى الشيخ عبد العزيز الثعالبي والمصلح الطاهر الحداد والشيخ محمد الطاهر ابن عاشور...
وتأصيلاً للهوية تلاحقت الاجراءات والقرارات الرئاسية بتأسيس مركز الدراسات الاسلامية بالقيروان والارتقاء بالهيكل القائم بالشؤون الدينية من مجرد ادارة الى كتابة دولة ثم الى وزارة وإصدار تشريع يحمي المساجد والجوامع ويضبط وضعها القانوني وتكوين ورسكلة الأيمة والوعاظ والتنصيص على التاريخ الهجري في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية وإحداث خطة معتمد مكلف بالشؤون الدينية في مركز كل محافظة وترميم جامع الزيتونة المعمور ومزيد تجهيزه ليكون دوماً في مستوى عراقته وتاريخه وتلاوة القرآن الكريم على مدار أيام السنة في فضائه وإعادة العمل بالرؤية مع الاستئناس بالحساب في تحديد أوائل الشهور القمرية والأعياد الدينية ومراجعة برامج التربية الاسلامية في مراحل التعليم الأساسي والثانوي باعتماد ثوابت الدين الحنيف ونزعته الاجتهادية مع مواكبة العصر والحداثة ووضع خريطة مسجدية تنظم الخدمات المسداة في المجال الديني بما يحقق التوازن بين الجهات.
واعتزازاً باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم ظل الرئيس بن علي يلقي بياناته وخطبه وكلماته بلغة الضاد ويرتدي اللباس الوطني في المواكب والاحتفالات الدينية والوطنية التي يشرف عليها بنفسه وكذلك في المناسبات الرسمية داخل تونس أو خارجها.
فبرغم إتقان أبناء تونس وبناتها للغات العالمية، تكرس تقليد جديد عزز الهوية وذلك بإلقاء خطبة باللغة العربية في كل العواصم الأجنبية التي تحول الرئيس إليها في زيارات رسمية؛ فبالعربية تكلم من أعلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ومن أعلى منبر البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الى جوهانسبورغ في جنوب افريقيا وبذلك كان وفياً لروح الدستور ولنص فصله الأول ومن منظور الهوية فإن وفاءه يعود الى مآثر السلف ونعني هنا بالخصوص القائد والفاتح الاسلامي حسان بن النعمان الغساني الذي جعل اللغة العربية لغة رسمية في تونس المسلمة منذ أن حل ذلك القائد بالقيروان في بداية الربع الأخير من القرن الأول الهجري (77 هـ) وردّ المجتمع التونسي الجميل بالجميل وبرزت معاني ومظاهر التضامن في أجلى مظاهرها من خلال تنظيم موائد الافطار للفقراء والمعوزين وعابري السبيل ومن خلال ما يقدم من مساعدات وهدايا للأفراد وللأسر الضعيفة كان خلالها قائد عهد السابع من نوفمبر، المثل والقدوة.
ثلاثة أرقام فقط وثلاثة تواريخ نطرحها للتأمل والاستنتاج:
ـ سنة 670م: وضع أول حجر اسلامي بتونس بتأسيس القيروان وجامعها المعروف بجامع عقبة أول مسجد في البلاد التونسية.
ـ سنة 1987: عدد المعالم الدينية يبلغ 5086 معلماً.
ـ سنة 2006: عدد المعالم الدينية يرتفع الى أكثر من 8000.
معنى ذلك ان ما شيد من المساجد والجوامع في عهد التغيير خلال 18 عاماً يمثل ثلث ما شيده السلف.
إن تشييد المسجد أو الجامع في منطقة ظل تحولت الى منطقة تنمية يفضي بالضرورة الى التأمل في هذا الواقع الجديد لحجم المعالم الدينية التي شيدها عهد التحول في سياق مسيرة تعزيز الهوية والعناية بالاسلام وببيوت الله. في غمرة هذه التحولات انخرطت تونس وبحس استشرافي عميق في مشروع مجتمعي حديث عمق مقومات الاجتماع السياسي وعزز الهوية بطريقة تونسية متميزة وبمقاربة تنهل من خصوصية وعراقة وحضارة الشعب ما يعزز دورها وإشعاعها.
منذ البداية، توجهت القيادة التونسية الى المجتمع بخطاب ديني جديد اقتنع من خلاله بأن العولمة ليست بالضرورة تهديداً للهويات لا سيما الهوية التونسية المرتكزة على جوهر الاسلام الخالص وعلى ارث تاريخي عريق.
وقد حبا الله تونس منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً بأن انضم جامع الزيتونة الى جامع عقبة ابن نافع فتعززت بذلك المسيرة العلمية ووجد علم المدينة وفقه الحجاز في افريقيا أرضهما الخصبة فاستقر بها مذهب السنة والجماعة باعتداله وثرائه على يد نخبة من العلماء من أمثال علي بن زياد والامام سحنون.
من هذا التاريخ تنهل الهوية وينهل الخطاب الديني وينفض الغبار عن الماضي بلغة واضحة صادقة مركزة على اشعاع تونس جاء بفضل اجتهاد العلماء والفقهاء وأفكار المصلحين الذين أناروا بفكرهم المغرب والمشرق انطلاقاً من جامع الزيتونة. فالمشروع المجتمعي الجديد كان مبنياً على النجاح في التمييز بين أصول الدين وفروعه وبين المقدس الثابت والزمني المتغير والخاضع بفعل التحولات أو ما يعرف اليوم بـquot;العولمةquot; بادر العهد الجديد باتخاذ الاجراءات والتراتيب والتشريعات حفاظاً على سلامة الهوية وتكريساً للدين الحنيف.
ولأن مفهوم الهوية كان أكبر من إدارة للشعائر الدينية، تم احداث كتابة دولة للشؤون الدينية ثم وزارة. وما دامت الدولة هي الراعية لشؤون الدين فإن المساجد هي جزء من الملك العام للدولة التي تتحمل مصاريفها من ماء وكهرباء وصيانة.
كما ان دولة عهد السابع من تشرين الثاني التي طبعت المصحف الشريف على نفقتها على رواية الامام قالون وفق الطابع التونسي الأصيل من حيث أشكال الخط وجمال التزويق وأناقة الاخراج كانت مبادرتها المتمثلة في اصدار قانون المصاحف القرآنية المؤرخ في آب 1998 على غاية من الأهمية حفاظاً على سلامة النص القرآني والمقصد وحفاظاً على الهوية من أي تشويه.
مركز للدراسات الاسلامية بالقيروان
ومن الاصلاحات الدينية لا يمكن اغفال قانون مركز الدراسات بالقيروان ومشمولاته وتنظيمه الاداري والمالي خلال شهر آذار 1990 بعد ان كان المركز قد تأسس سنة 1988 بهدف التعريف بالحضارة الاسلامية وما قدمته للحضارة الانسانية في مختلف الميادين وتوفير المعلومات الموضوعية التي تساعد على فهم الاسلام وما يتصل به من علوم ومعارف الفهم الصحيح والقيام بالدراسات والبحوث في العلوم الاسلامية. ومن الأهداف التي تم من اجلها احداث مركز الدراسات الاسلامية ان تصبح تونس في عهدها الجديد سواء بفضل خدمة واشعاع المركز الاسلامي او بقية المؤسسات والهياكل الأخرى رائدة في البحث العلمي في مجالات الدراسات الاسلامية والتعريف بنتائجها وتعميمها والتعريف ايضا بأعلام تومس وافريقيا ومؤلفاتهم وانجازاتهم في كل العلوم وخاصة في علوم القراءات والتفسير والسنة والفقه...
وتحولت تونس الى مركز عربي واسلامي يجمع بين علماء الاسلام من خلال تنظيم الندوات والملتقيات التي تعود بالفائدة والنفع على الأمة الاسلامية حيث تناولت لقاءات الفقهاء والعلماء بالبحث والدرس مواضيع هامة ثم بحثها ومناقشتها برؤية متحررة واستشرافية وواقعية تعلي شأن الهوية والدين. ومن الندوات الكثيرة التي بادرت بتنظيمها تونس يمكن ذكر ندوة quot;الاسلام ومواكبة العصرquot; التي تم تنظيمها خلال شهر تشرين الثاني 1996 بمناسبة الاحتفال بذكرى مرور 1300 على تأسيس جامع الزيتونة ورعاها وافتتحها الرئيس زين العابدين بن علي الذي احدث جائزة رئيس الجمهورية للدراسات الاسلامية تمنح سنويا لمن تولى تقديم احسن بحث في العلوم الاسلامية اسهاماً في اثراء الفكر الاجتهادي وتنشيطه وعملاً على اشاعة قيم الاعتدال والتسامح وترسيخها. وغرض هذا الجائزة جلي بارز وهو موجه اساساً لخدمة الدين الخالص.
ان تونس التي تفاخر بأنها دولة القانون والمؤسسات تعتز اليوم بأنها الرائدة في العالم الاسلامي في توظيف العناية الادارية بالشؤون الدينية التي تظل في حاجة الى الادارة وبالتالي الى عناية الدولة.
فتونس المقسمة ادارياً الى اربع وعشرين محافظة قدّر العهد الجديد ان الشأن الديني جدير باحداث خطة معتمدة للشؤون الدينية بمركز كل ولاية وبدأ العمل بهذا النظام الاداري منذ 1990 وبذلك تبلورت اكثر صورة الخارطة الدينية واللامركزية في اسداء الخدمات الدينية للمجتمع التونسي.
جامع العابدين من منارات الاسلام في تونس
اذا كان عهد التحول له فضل بناء وتشييد اكثر من ثلث مجموع المساجد والجوامع الموجودة في تونس في ظرف 18 عاماً فسوف يسجل التاريخ تشييد الجامع الكبير بقرطاج وهو من الطراز العربي الاسلامي الرفيع على ارض تمسح نحو ثلاثة هكتارات بتكاليف تقدر باثني عشر مليون دينار.
اما اختيار قرطاج لاحتضان هذا المعلم الديني فانه لا يخلو من رموز ودلالات.
ان قرطاج هي ام المدن التونسية التي ملأ اسمها العالم طيلة 28 قرناً فلقرطاج فضل على تونس وعلى الانسانية قاطبة بفضل اشعاع حضارتها التي اسست للحرية والديموقراطية في العالم.
وهذا الجامع الكبير الذي يعتبر واحداً من آلاف بيوت الله التي شيدها عهد التحول يعطي قيمة مضافة للمعالم الدينية الكبيرة الأخرى بدءاً بجامع عقبة بالقيروان والزيتونة في تونس وعبيد الله المهدي في المهدية وبقية آلاف الدرر الدينية الأخرى التي لا تخلو منها مدينة وقرية في هذه الربوع التي منّ عليها الله بنعمة عهد السابع من نوفمبر وقد منّ عليها قبل ذلك بنعمة الاسلام.
البلد الأمين وفيّ لقيم الاسلام الحنيف
ان تونس او افريقية كما كان يسميها المسلمون في السابق معتزه اليوم برصيدها الحضاري وبرموزها الاسلامية الفدة وبدورها التاريخي في نشر الدين الاسلامي واشاعة قيمه الروحية السامية في شمال البحر الأبيض المتوسط وفي عمق القارة الافريقية.
وهي اذ تعتز بصفاء هويتها فان دورها مؤثر في العالم الاسلامي من خلال نشاطها في منظمة المؤتمر الاسلامي وحضورها المنتظم في كل القمم الاسلامية ودفاعها عن المقدسات الاسلامية.
ولقد دافعت تونس في عهدها الجديد بقوة عن كل القضايا الاسلامية بدون تحفظ بدافع عقيدتها وعملت على توثيق عرى الترابط الاسلامي وشرفها اشقاؤها خلال شهر مارس 1989 باحتضان معرض الحرمين الشريفين ووقعت اعادة قراءة التاريخ من جديد اذ ما كان للقيروان ان تؤدي الدور العظيم لولا عراقة صلتها بالحرمين الشريفين حيث تتلمذ اهل القيروان الأوائل على فقهاء المدينة المنورة فمكانة مالك في ربوع تونس تعود اساساً الى الصلة الثابتة بين هذه الربوع والربوع التي تأوي الحرمين الشريفين.
عمل عهد السابع من تشرين الثاني على تركيز وتجسيد مشروع مجتمعي يكون الاسلام فيه مصدراً للقيم السامية وعاملاً من عوامل توازن المجتمع في ظل القانون والمؤسسات الراعية والمسؤولة عن شأن الدين ايماناً بأن الدين الحنيف هو قوام الحضارة.
- آخر تحديث :















التعليقات