بثينة شعبان

لفت نظري وأنا أجلس في مقعدي بالطائرة وأراقب جموع المسافرين وهم يهمّون بالصعود إليها منظر طفل ووالدته يحمل كلّ منهما كتاباً يقرآنه ويخطفان الطرف بين الفينة والأخرى ليكشفا المسافة التي مازالت تفصلهما عن سلّم الطائرة ولكنهما لم يبعدا الكتاب جانباً إلاّ لحظة تسلق أول درجة في السلّم، ثم عادت أعينهما معلّقة في الكتاب بينما تتحسس الأقدام درجة إثر أخرى. لم يكن الطفل وأمه الوحيدين اللذين التصقت أعينهما بكتابيهما فقد كان الرجل الذي يجلس أمامي غارقاً في كتاب سميك طيلة الرحلة، وكذلك الرجل الذي على يميني، وكان غالبية الركاب يتأبطون كتبهم وهم يصعدون ويجلسون، وعدت في مخيلتي إلى الصيف الذي يمضيه أبناؤنا اليوم في اللهو من سباحة وسفر وبرامج لعب كومبيوترية والخ... وفكّرت بظاهرة قلّة القراءة التي ندعي أنها أصبحت سمة من سمات العصر بسبب الإنترنت والتلفاز فأجد أن من اخترع الإنترنت والتلفاز مازال متمسكاً بعادة القراءة التي تعني الكثير كما يعني غيابها النقيض الآخر، ووجدت أن غياب عادة القراءة أصبحت سمة من سمات المجتمع العربيّ فقط في مختلف بلدانه، إذ هل يعقل أن يطبع ألفا نسخة من كتاب في أمّة يبلغ عدد سكانها ثلاثمئة مليون نسمة وتكاد لا تباع هذه النسخ أيضاً.أين يكمن الخطأ في إحجام أطفالنا وشبابنا عن مصادقة الكتاب. وأين هذا الجيل من قول الشاعرquot; وخير جليس في الزمان كتابquot;. وبدلاً من مجالسة الكتاب تسود ظاهرة إضاعة الوقت في الثرثرة، والنميمة، والاقتباسات، والأحاديث التي لا تستند إلى مصدر ولا تعتمد على أي توثيق. ولم يكن العرب دائما كذلك إذ تعود بي الذاكرة إلى عصر كان الطلبة في سبعينات القرن الماضي يتنافسون بعدد الكتب التي يقرؤونها يومياً، ويتمايزون بسعة اطلاعهم على المعارف من مصادرها العالمية.
في المدارس الغربية يتوقّف التدريس كلّ يوم ربع ساعة ويطلب من التلاميذ أن يطالعوا في كتابهم المفضّل. وهذا يعني أنه على الطالب أن يبحث عن كتاب مفضل وأن يقرأ كلّ يوم ربع ساعة في المدرسة ما تلبث أن تتطور إلى ساعات ومن ثمّ إلى عادة جميلة تكسب الطفل متعة القراءة حتّى في الوقت المخصّص لاعتلاء سلالم الطائرة.
وفي بعض العواصم الأوروبية التي وجدوا بها تراجعاً في عادة القراءة، بدأت المكتبات ومحلات الشاي والقهوة تخصّص ركنا خاصاً للقراءة وتقدم خدماتٍ مغرية للقراء.
والفرق بين شعب يقرأ وآخر لا يقرأ كالفرق بين النور والظلمة، إذ أن عادة القراءة هذه تتطوّر إلى عادة للبحث والتفكير والتحليل والإنتاج بينما تستقبل الشعوب التي لا تقرأ آراء وأفكار الآخرين وتجترها دون أن تدرك الهدف منها أو الأثر الذي تتركه هذه الأفكار على حياتها ومستقبلها.
القراءة ليست الظاهرة الوحيدة التي ندّعي أن الحداثة قضت عليها، والواقع هو أن حداثتنا العربية فقط هي التي حوّلت الكومبيوتر إلى مجرّد جهاز للعب للأطفال والمراهقين بديلاً عن دفتيّ الكتاب، بل هناك ظواهر أخرى عديدة تري الفرق بين فهمنا للحداثة الغربية وفهم الغرب لهذه الحداثة، بل وممارسته لها.
فحيثما توجهت في مدن غربية ذات أحياء أو أبنية قديمة تلاحظ العمل المستمر لإنقاذ مبنى قديم، أو حتى واجهة المبنى، أو أي أثر يدلّ على عظمة وإنجاز الآباء والأجداد بحيث تصبح الأبنية القديمة متلبسة الحلّة الجديدة فقط في النظافة ومقاومة عوامل الطقس، بينما تجرّف الجرّافات في مدن عربية يمتدّ عمرها لمئات وآلاف السنين، أبنية ذات قيمة تاريخية لا تضاهى في عراقتها وأصالتها كي تنتصب في مكانها أبنية لا تمتّ إلى مجتمعاتنا وتاريخنا ومناخنا بصلة فنستبدل البيت العربي الذي كان دافئاً في الشتاء وبارداً في الصيف والذي يتقن أهله التحرّك المنطقي بين أدواره بأبنية لا تشبهنا، ولا تشبه طريقة عيشنا، ولا توائم العلاقات الأسرية التي تطوّرت وتبلورت في مجتمعنا عبر مئات السنين.
والمشكلة أننا نفعل ذلك كلّه باسم الحداثة وباسم تقليد الغرب بينما يتصرّف الغرب بطريقة مختلفة تماماً مع ما يخصه من التراث. والأمر ذاته ينطبق على اهتمام جميع دول الغرب بلغاتهم الأم وإصرارهم أن تعلّم الجامعات كافة المواد العلمية باللغة الأم، حتى وإن كانت منتجة في مجتمعات أخرى وبلغات أخرى، بينما استبدلت الكثير من الجامعات العربية اللغة العربية باللغة الإنجليزية بحيث أصبح خريجو هذه الجامعات يتقنون اللغة الإنجليزية، ولكنهم لا يتقنون اللغة العربية فتراهم كائنات لا هي عربية مع أنها تعيش وتعمل في بلدانها، ولا هي إنجليزية التي لم يكسبوا منها غير الشيء الضئيل . هل هناك أمّة تتخلّى طوعاً عن لغتها، والذي يعني التخلّي عن الفكر والهوية وعن الذات في أحلى وأجمل صورها..؟!
لاشك أن هناك بعض الجامعات في تركيا وألمانيا وإيطاليا التي تدرس باللغة الإنجليزية، ولكنها قد تكون جامعة أو جامعتين من أصل مئات الجامعات التي تخرّج أبناء البلد الواحد بلغته وأدبه وفكره وهويته وحضارته. فأي خسارة هذه التي تلحق بنا حين نتخلّى طوعاً عن أهم مكوّن من مكوّنات الفكر والثقافة والهوية؟.
والمقارنة يمكن أن تمتدّ لتشمل الاهتمام بالصناعات الحرفية والتقليدية وحتى بنمط الغذاء، وبالثقافة والتّراث والّلباس والغناء والموسيقى، إذ تشهد كلّ أوجه حضارتنا تراخياً مع ما هو أصيل لدينا واقتباساً أعمى من الغرب واستيراداً مفتوحاً ليس للبضائع فقط، ولكن لكلّ ما من شأنه أن يدخل أسلوب حياة مختلف على حساب أسلوب حياتنا وقيمنا وتراثنا وثقافتنا.
وربما من الصعب أن نفصل بهذا المعنى بين الثقافي والسياسي والاقتصادي، فكما أننا نتخلّى طوعاً عن لغتنا وتقاليدنا وتراثنا، فنحن أيضاً نتخلّى طوعاً عن تعزيز مكانة منتجاتنا على الساحة الدولية، وأيضاً عن التشبّث بقيمنا ووجهة نظرنا في وجه الحملات المستمرة التي تستهدف وجودنا وقيمنا ومستقبل شعوبنا. ونلاحظ الفرق في كلّ لحظة، وفي كلّ مسألة بين طريقة تصرّفنا وتصرّفات الآخرين معنا. فقد ارتكبت إسرائيل أبشع الجرائم في لبنان وغزة، وهي ترتكب يومياً كلّ أنواع الجرائم بحق الأسرى والمعتقلين وبحق الشعب الفلسطيني وأهلنا في الجولان وجنوب لبنان، ومع ذلك فإن ردود الفعل العربي وبالتالي الدوليّ باهتة جداً، بالمقارنة مع حجم الجريمة، فمن يهن تجاه لغته وثقافته وقيمه يسهل على الآخرين الاستهانة بها.
ولنر كيف تصرّف الغرب حين احتجزت إيران موظفين إيرانيين يعملون في السفارة البريطانية: فقد استدعت سبع وعشرون دولة أوروبية مسؤولي السفارات الإيرانية في دولها وهددت مجتمعة بسحب سفرائها من طهران. أهم الذين أصبحوا مسلمين يتصرفون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له كافة الأعضاء بالسهر والحمى ؟!
وإلى الذين يتغنون بتقليد الغرب في كلّ مظاهر حياتهم وحتى في إرادتهم السياسية لماذا لا يقلّدونه في الحميّة التي لا يفتأ يعبّر عنها الغرب تضامناً وتلازماً في وجه كلّ ما قد يسيء لأي من أبنائه؟ لماذا لا نهبّ هبّة جسد واحد مثلاً ونسمع العالم صوتنا دفاعاً عن أسرانا في السجون الإسرائيلية، وهم من أشرف النساء والرجال والأطفال وأكثرهم إيماناً بهذه الأمة ومستقبلها. والمقارنة تطول وتطول. فحين قتل ضابط كبير من القوات البريطانية في هليمند أفغانستان(روبرت تورنيللو)، فردت الصحف البريطانية والغربية الصفحات مع صور له ولأفراد أسرته ولميزاته الشخصية والعسكرية، كي لا يصبح رقماً في عداد الضحايا، بينما نحن نتحدث عن شهدائنا المليون ونيف في العراق وفلسطين ولبنان و... كأرقام فقط، ونقتبس من الإعلام الغربي ما يكتبونه عنّا وحتى تحويلهم بلداننا إلى خرائط فقط على صفحات جرائدهم تقاس بمدى وحجم انتصاراتهم، دون ذكر ضحاياهم من النساء والأطفال العرب والدمار الذي أنزلوه بمدننا وتهديدهم لأمننا ومستقبل أجيالنا.
ونخلص إلى أن مقلّدي الغرب يقلّدونه فقط حبّاً في التقليد وليس للاستفادة من معارفه والدليل أن هذا التقليد يهدر حقوقنا ويهدّد مصالحنا، ونراهم يحجمون عن تقليده، فيما يفيد أمتهم ويحقق منعتها. والسؤال هو: هل يحدث كلّ هذا مصادفة وبعفوية تامة؟ أم أن الأمور تسير كما هو مخطط لها! ومهما يكن الجواب فإن أثر ما يحدث ووقعه على مستقبل أمتنا يبقى ذاته: فهو أثر سلبي يصل إلى حدّ النخر بالعظام.