محمد السماك


قبل أسابيع قليلة من ذكرى إسقاط أول قنبلة نووية أميركية على مدينة هيروشيما في اليابان (في السادس من آب 1945) تساءل وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت مكنمارا الذي توفي مؤخراً - : هل ان انتصار الولايات المتحدة في الحرب يبرّر القصف النووي لهيروشيما وناغازاكي؟ وذهب مكنمارا بطل الحرب الأميركية في فيتنام الى أبعد من ذلك عندما وصف مساهمته في المسؤولية العسكرية عن القصف النووي بأنها quot;جريمة حربquot;.
لم يسبق لوزير دفاع أميركي أن مارس فضيلة النقد الذاتي كما فعل مكنمارا. فهو لم يقتصر على انتقاد إلقاء القنبلتين على اليابان وعلى مسؤوليته في تلك الجريمة الانسانية الكبرى، ولكنه انتقد كذلك الحرب على الفيتنام وحمّل نفسه مسؤولية ما وصفه بجريمة التشجيع على تلك الحرب.
في الأساس تنطلق مأساة التوظيف الاميركي للسلاح النووي ليس فقط من مبدأ استخدام هذا السلاح المدمر، ولكن من مبررات استخدامه أيضاً. فالولايات المتحدة لا تزال حتى اليوم تمتنع عن كشف الوثائق السرية التي تجيب عن السؤال الكبير التالي وهو : هل كانت اليابان مستعدة للاستسلام قبل القاء القنبلة؟. وهل كانت هناك خيارات اخرى أمام الولايات المتحدة لحمل اليابان على الاستسلام من دون اللجوء الى السلاح النووي؟
في عام 1946 أعدت وزارة الدفاع الاميركية تقريراً سرياً بعنوان :quot;جهود اليابان لانهاء الحربquot;. اعترف التقرير الذي لم يذع الا في عام 1995 انه من المؤكد ان اليابان كانت على استعداد للاستسلام قبل كانون الأول - ديسمبر 1945، وربما قبل الأول من تشرين الثاني - نوفمبر 1945 حتى ولو لم تُلقَ القنبلتان النوويتان عليها، وحتى لو لم تدخل روسيا الحرب، وحتى لو لم تهدد بالاجتياح العسكري quot;.
اذن لماذا أصرّ الرئيس الاميركي هاري ترومان على إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناغازاكي؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الاشارة الى ان الولايات المتحدة كانت تمكّنت من حلّ الرموز السرّية - الشيفرة - الخاصة باليابان أثناء المراحل الأخيرة للحرب، وفي 12 تموز - يوليو 1945 كشفت واحدة من تلك الرسائل عن قرار الامبراطور نفسه بالتدخل لانهاء الحرب. كانت اليابان تعرف ان الرئيس السوفياتي الماريشال جوزف ستالين وعد بدخول الحرب ضدها بعد ثلاثة اشهر من استسلام المانيا في الثامن من أيار 1945. ولقد حصل ذلك بالفعل في الثامن من آب من ذلك العام. وكان ذلك وحده كافياً لانهاء الحرب ولفرض شروط الاستسلام على اليابان امام الدول الكبرى الثلاث بريطانيا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة خاصة بعد استسلام المانيا. غير انه كانت للرئيس ترومان حسابات اخرى. لم يكن ترومان يحتاج الى القنبلة النووية لإخضاع اليابان بقدر حاجته اليها لتخويف الاتحاد السوفياتي وارهابه. جرت اول تجربة ناجحة للقنبلة في 16 تموز 1945. وفي اليوم التالي كان ترومان مجتمعاً في بوتسدام مع ستالين وتشرشل.
يروي اللورد ألن برووك رئيس اركان القوات البريطانية في مذكراته ان تشرشل فوجئ باللهجة الفوقية وبالتصرّف الاستعدائي للرئيس الاميركي وهو يحاور ستالين. فقد استفز ترومان الرئيس السوفياتي دون مبرّر وتوجه اليه بطلبات مستحيلة، بل تعجيزية. ولم يفهم تشرشل هذا التحول في الاسلوب التفاوضي لترومان الا في اليوم التالي عندما عرف بنجاح التجربة النووية الأميركية.
تكشف الوثائق الاميركية ان وزير الخارجية في ذلك الوقت quot; بيرنزquot; ابلغ الرئيس ترومان quot;بان القنبلة النووية ستضع الولايات المتحدة في موقف تفاوضي قوي يمكّنها من املاء شروطها لإنهاء الحربquot;. كذلك يروي العالِم النووي الاميركي quot;لي زيلاردquot; في مذكراته التي نشرها بعنوانquot; التاريخ الشخصي للقنبلة النوويةquot;، ان الوزير بيرنز اجتمع به في البيت الأبيض، وانه اثناء الاجتماع لم يثر بيرنز ما اذا كان استخدام القنبلة ضد المدن اليابانية ضرورياً لكسب الحرب، ولكنه كان يؤكد على ان quot;امتلاكنا للقنبلة واظهار فعاليتها سوف يجعل الاتحاد السوفياتي اكثر طواعية في أوروباquot;. وهكذا كان.
جرى توظيف الاعلام على اوسع نطاق لاقناع الرأي العام الاميركي بأن استخدام القنبلة كان ضرورياً لتسريع انهاء الحرب، وان ذلك وفّر على الولايات المتحدة اكثر من مليون قتيل!!. ولا يزال معظم الرأي العام الاميركي حتى اليوم أسير هذا التوجيه.
أدّى إلقاء القنبلتين الأميركيتين على اليابان الى مقتل اكثر من مائة وأربعين الف ياباني في هذين اليومين. وقتل التلوث النووي فيما بعد عدداً مماثلاً. اما الرجل الذي قاد عملية القاء القنبلة توماس ويلسون فيربي، فقد مات في فراشه الوثير في آذار عام 2000 (اي بعد 55 عاماً) عن عمر ناهز الواحد والثمانين وهو قرير العين مرتاح الضمير؟!.
بالنسبة له، كان يؤدي مهمة عسكرية. وان نجاح المهمة وضع حداً للحرب العالمية الثانية. ولكن بالنسبة للمسؤولية الانسانية فان السؤال الذي لا يزال يفرض نفسه حتى اليوم هو: من المسؤول؟
هل تقع المسؤولية على الرئيس فرانكلين روزفلت الذي اطلق مشروع مانهاتن لانتاج القنبلة النووية؟
هل تقع المسؤولية على العالِم الفيزيائي البرت اينشتاين الذي أقنع روزفلت بامكانية وبضرورة انتاج القنبلة ؟
هل تقع المسؤولية على العالِم النووي - الألماني الأصل - روبرت اوبنهيمر الذي كان قائد فريق العلماء الذي انتج القنبلة؟
هل تقع المسؤولية على الرئيس الاميركي هاري ترومان الذي أعطى الأمر السياسي بإسقاط القنبلتين؟
كان اينشتاين يهودياً المانياً، وكان يعرف ان العلماء الألمان قادرون على انتاج القنبلة وأنهم على مقربة من انتاجها، وانهم يعملون على تركيبها. وبذلك اقنع الرئيس روزفلت باستعجال انتاجها واستخدامها لحسم الحرب لمصلحة الولايات المتحدة.
وكان امل اينشتاين هو ان تلقى القنبلة الأولى على مدينة المانية وليس على مدينة يابانية. غير ان الخوف من ان يصيب الاشعاع النووي الشعوب الأوروبية المتاخمة لألمانيا أدى الى اختيار الهدف الياباني البعيد والمنعزل حيث تتوفر ضمانات كافية بأن كل الضحايا المباشرين وغير المباشرين سيكونون من اليابانيين وحدهم.
في شهر آذار 1945 امطر الاميركيون العاصمة اليابانية طوكيو بالقنابل فقتل 85 الف ياباني، حمل هذا القصف حكومة الامبراطور هيروهيتو على قبول البحث في شروط الاستسلام. وفي هذه الأثناء، أُلقيت القنبلة النووية الأولى، ثم أُتبعت بالثانية بعد ثلاثة ايام، وفي اليوم السادس كانت اليابان توقع على وثيقة الاستسلام.
من هنا، لم يكن استخدام السلاح النووي ضرورياً لحمل اليابان على الاستسلام. ولكنه كان اداة لحملها على قبول استسلام مذل، مما عزّز من الموقف الاميركي التفاوضي مع الاتحاد السوفياتي السابق على اقتسام تركة عالم ما بعد الحرب.
لم يكن استخدام السلاح النووي ضد اليابان هدف اينشتاين. كان هدفه الانتقام من ألمانيا النازية. ولقد اعرب عن خيبة امله بعد ان اطلع على النتائج المروعة لقنبلة هيروشيما بقوله : quot;لقد كان الافضل لي لو عملت في تصليح الساعات بدلاً من العمل في علوم الفيزياءquot;.
ولكن قبل ان يعهد الى quot;توماس فيربيquot; بالمهمة quot;رقم 13quot; بترؤس الفريق الذي اسقط القنبلة على هيروشيما، اشترك فيربي هذا في الحرب على الجبهة الأوروبية وقام بثلاثة وستين عملية ضد مدن المانية ومنها بصورة خاصة مدينة درسدن التي تحوّلت مبانيها الى أنقاض. وقد ادى تفاهمه مع الطيار العسكري quot;بول تيبتسquot; ونجاحهما معاً في اصابة الأهداف الألمانية المقررة الى اختيارهما للمهمة على هيروشيما.
أُخضع الفريق الى تدريبات مكثفة جرت في جزيرة تنيان في المحيط الهادئ، وأُخضع عناصره (11 طياراً) لفحوصات وتحليلات نفسية معمقة، قبل الانطلاق بطائرة quot;اينولاغايquot;، التي لا يزال سلاح الطيران الاميركي يحتفظ بها حتى اليوم، في رحلة استغرقت 13 ساعة دون توقف الى هدفها المنكود. ولذلك اطلق رقم 13 اسماً على تلك المهمة التي وضعت العالم امام مرحلة جديدة من الوحشية اللاانسانية. وهي مرحلة لا تزال مستمرة حتى اليوم ولو بأشكال مختلفة.
السؤال الآن : هل يستطيع الرئيس باراك أوباما أن ينقل العالم الى مرحلة جديدة بالتخلص من السلاح النووي؟ لقد خطا بنجاح خطوة أولى متواضعة مع الاتحاد الروسي بتخفيض حجم الترسانة النووية الأميركية والروسية. وهو يتطلع الى خطوات لاحقة تؤدي الى تجريد كل دول العالم من السلاح النووي.. فهل يستطيع؟ الجواب عند اسرائيل !!