سعد محيو

أثارت الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة موجة من التفاؤل بين بعض الديمقراطيين العرب، على رغم كل ماشابها من عنف، واصطراعات طائفية، واتهامات بالتزوير .

العنوان الرئيسي لهذا التفاؤل: احتمال تحوّل العراق إلى نموذج ديمقراطي جديد في الشرق الأوسط العربي، بكل ما قد يعنيه ذلك من تغييرات شاملة في المنطقة . وهذا لكون بلاد الرافدين بلداً كبيراً (30 مليون نسمة) يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم ويقع على نقطة تقاطع جيو - استراتيجية بالغة الأهمية بين تركيا وإيران وسوريا ودول الخليج .

هذه النزعة التفاؤلية يمكن تلخيصها على النحو التالي:

العراق الديمقراطي، حتى ولو كان مضطرباً وغير متكامل النمو، سيكون برهاناً في قلب العالمين العربي والإسلامي، على أن المشاركة في السلطة مُمكنة في هذا الجزء من العالم، حتى ولو كانت فوضوية وغير مكتملة .

وهو سيُطلق رسالة إلى الأحزاب السياسية العربية مفادها أنه على رغم أن الأحزاب الدينية والطائفية تُبلي بلاءً حسناً في البداية، إلا أن الأحزاب العلمانية واللادينية تستطيع على المدى الطويل استعادة الزخم في السياسات الوطنية . وفي ما يتعلق بالأقليات الدينية والإثنية، يوضح الحدث العراقي بأنه في حين أن الأكثرية لها دور ريادي في الحكم، إلا أنها لا تُقصي الأقليات عن المشاركة الحقيقية استناداً إلى الزعم الزائف المتعلق بالأمن الوطني والوحدة الوطنية .

حتى لبنان شبه الديمقراطي أمامه دروس قيّمة عليه تعلّمها . فالأوليغارشية (حكم القلّة) الطائفية فيه حافظت على نظام انتخابي أكثري يُمكّن كل حزب طائفي من ضمان سيطرته الكاملة على طائفته، سواء أكان مسلماً أم مسيحياً . هذا في حين أن النظام الانتخابي النسبي في العراق يكسر الاحتكارات الطائفية ويسمح لمختلف الأحزاب بالتنافس على السلطة .

علاوة على ذلك، العراق سيكون حاسماً بالنسبة إلى إيران . فالحكومة هناك ردّت على الاحتجاجات حول الانتخابات الأخيرة بالقمع والعنف . وهي جادلت بأنه لايمكن التشكيك بولاية الفقيه، مُوحية بذلك أنه ليس ثمة بديل عمّا اقترحه الإمام الخميني . بيد أن جارها في الجنوب (العراق)، وهو بلد يتمتع بأوراق اعتماد دينية أقوى، يُظهر الآن أن البديل متوافر حقا .

كل ذلك، في رأي المتفائلين، قد يؤسس لنظام إقليمي جديد في شرق منطقة الشرق الأوسط يكون فيه العراق نقطة الارتكاز، لأنه سيكون قادراً على إدخال تركيا وإيران إليه بعد أن كان النظام الإقليمي العربي قد استبعدهما، إما لكونهما خصمين أو على الأقل لكونهما قوى خارجة عنه .

هل هذه النزعة التفاؤلية في محلها؟ ليس كثيراً .

صحيح أن ldquo;شبه الديمقراطيةrdquo; بدأت تترسخ في العراق، وصحيح أن المواطنين العراقيين بدأوا يعتادون على الحريات السياسية والمدنية، وبالتالي سيكون من الصعب إعادتهم ثانية إلى قمقم الاستبداد، إلا أن المشروع الديمقراطي لايمكن أن ينجح في الواقع في دولة واحدة في الشرق الأوسط . فهو إما أن يمتد لينتصر في كل إقليم الشرق الأوسط العربي - الإسلامي، او انه سيختنق بأنفاسه داخل البلد الذي وُلد فيه .

بكلمات أوضح: الدول الإقليمية المحيطة بالعراق لن تسمح للتجربة الديمقراطية بالنضوج، طالما أنها هي نفسها ليست ناضجة بعد لتقبّل الانموذج الديمقراطي نفسه .