مبارك الذروه

عندما تحدث ابن خلدون عن تأخر الأمم وسقوطها كان يشير إلى انحسار مقومات البقاء ومكونات البناء الاجتماعي والسياسي فيها. لقد سبر أغوار التاريخ العربي، فأدرك جوانب القوة فيه وفهم علامات المرض والضعف، أدرك أهمية (العصبة) ودور الأسر الحاكمة، وتحدث عن البغي والعدوان ولغة الدسائس والمكائد بين ذوي السلطان. وبحكم موقعه الجغرافي في المغرب العربي أطل على بلاد ما وراء البحر المتوسط، وشاهد نزيف الأندلس الدامي بسيوف ملوك الطوائف وأمرائها. شاهد عدوان السلطة على المال العام من أجل شراء الذمم لتمجيد البلاط والتقرب زلفى لمصالح آنية كانت على حساب دستور وميثاق الأمة.
تكرست مفاهيم مؤلمة من الفساد الإداري، وعدم تطبيق القانون، وانتشار الرشاوى، وسرقة الصلاحيات والنميمة بين مستويات الإدارة العليا والسفلى، فضلاً عن تقريب أولاد العمومة وتعيينهم، والعنصرية البغيضة التي أثخنت جراح الدول آنذاك.
كما شاهد الفساد المالي ونهب ثروات الأمة، وإغداق المنح والهبات على الشعراء المنافقين على حساب برامج التنمية ومشاريع النهضة دون رقيب ومساءلة ورقابة مالية، وسموم الظلم وإقامة الحدود على الضعفاء وتجاوز المجرمين من أبناء الذوات... كل ذلك تحدث عنه ابن خلدون وجعله من أسباب السقوط.
لقد صدَّق الواقع السياسي كثيراً مقولة ان الله يدافع عن الدول دون النظر إلى دينها إذا كانت عادلة، ويتخلى عن الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة. فالعدل الإلهي والحكمة الربانية لا تحابي أحداً، وقد اقتضت سنة الله ذلك وما ربك بظلام للعبيد.
والمتأمل لما طرحه العلامة الناقد عالم الاجتماع ابن خلدون عن البعد الاجتماعي وأثره في تماسك البناء العام للمجتمع من ناحية وفي نجاح خططه التنموية الشاملة من ناحية أخرى يدرك حجم المأساة التي تعيشها كثير من دول المنطقة.
الجانب الاجتماعي والتماسك البشري ووحدة الصف الوطني يجب أن يطغى على ملفات التنمية كافة.
لقد أذهلت أميركا العالم عندما أوقفت رئيسها كلينتون للتحقيق أمام شاشات التلفاز في قضية مونيكا والمسماه بمونيكا غيت، لقد كان البعد السلوكي والاجتماعي مؤثراً على شخص الرئيس السياسي!
كما أوقف الانكليز الرئيس بلير بتهمة الكذب وإخفاء معلومات مهمة عن نواب الأمة في ما يتعلق بملف العراق وأسلحة الدمار الشامل.
ثمة أمر آخر لا يجب تجاهله يتمثل في دور المفكرين والنخب الثقافية الجادة في تنوير الرأي العام بأهمية المحافظة على مكتسبات الشعوب وإدراك أهمية الجانب الاجتماعي تحديداً. وقد لمسنا ذلك هنا في الكويت أثناء الغزو العراقي الغاشم حين تفككت الدولة بمنظومتها السياسية والاقتصادية، لكنها كانت حية فاعلة اجتماعياً... فقد كان التلاحم الاجتماعي والتماسك البنيوي لوحدات المجتمع الكويتي هو الجدار الفاصل أمام الغزاة الطامعين والبغاة المعتدين، وهو الصخرة العاتية التي تكسرت فوقها أنصال المحتلين.
ولولا التلاحم الوطني لما تشكلت فصائل المقاومة الشعبية. وقد حدث مثل ذلك عندما سيطرت جحافل المستعمر البريطاني على مصر المحروسة، ولعبت مؤسسات صحفية دور المحرض والمؤثر للعصيان المدني ضد المحتل فحركت الشارع اجتماعياً من خلال مطالبه المشروعة والمتعلقة بالحريات العامة، ورفع مستوى المعيشة، وقوانين جاءت فيما بعد كقانون الإصلاح الزراعي.
واليوم تعكس مؤسسات المجتمع المدني الدور الاجتماعي الوسيط الحر بين قطاعات الدولة، وتتفاعل مع قوى المجتمع كافة لسد النقص والقصور الحكومي، وهي مؤسسات في النهاية تشرف عليها الدولة وتقوم بدعمها لتشكل معها رديفاً لبرامج التنمية المختلفة.
لم يعد للعمل الفردي مكاناً في الدول الحديثة بل العمل المؤسسي والجماعي هو البديل الأمثل في ظل الدساتير ودول القانون. العمل الاجتماعي والشعبي لابد أن يبقى لتبقى الدول... والدول الذكية تسعى إلى تطويره ودعمه، وهو الصف الثاني الحقيقي عند غياب مؤسسات الدولة وتفككها.
لم يكن ابن خلدون بعيداً عن هموم مجتمعاتنا في هذا العصر فالمضمون واحد وإن تباينت الأشكال... وكما تكونوا يولى عليكم.