عقل العقل
في مرحلة الرئيس بوش الابن، كانت أميركا ومن خلال سياستها الخارجية تبشّر شعوب المنطقة بأنها ستخلق منها جنة ديموقراطية، والكل يتذكر مشروع الشرق الأوسط الكبير، والتبشير بالرخاء الاقتصادي لكل شعوب منطقة الشرق الأوسط، بل إننا نتذكر خطب الرئيس بوش بأنه في حال استمرار الظلم وانتشار العنف والإرهاب في الشرق الأوسط، فإن الحل هو الديموقراطية، حتى لو فرضتها على حلفائها في المنطقة.
وتزامنت الضغوط السياسية من الإدارة الأميركية السابقة لتحقيق مصالحها وأجندتها في نشر الديموقراطية في منطقتنا بحروب عسكرية، واحتلال دولتين إسلاميتين هما أفغانستان والعراق، والتي جعلت الأنظمة في منطقتنا تحس بالخطر الحقيقي على وجودها، بل إن السيناريوهات كانت تتبدل في كل لحظة، إلا أن الغالبية العظمى من المراقبين كانت لديها قناعة تامة بأن العواصم العربية مهددة بالسقوط بعد احتلال بغداد، خصوصاً بعد سقوط نظام عربي كان يعتقد بأنه سيقف في وجه القوات الأميركية، ولكنه تهاوى في خلال أيام، ما كشف أن بعض الأنظمة السياسية لا تتمتع بالشعبية والولاء من جيوشها، ناهيك عن شعوبها.
ولكن مشكلة الإدارة الأميركية السابقة لم تكن أخطاءها فقط في العراق وأفغانستان هو ما سبب فشلها في نشر الديموقراطية في منطقتنا، وإن كان لها دور نسبي في ذلك، إضافة إلى عدم صدقية الإدارة في مثل هذا التوجه، ومثل هذه القناعات موجودة ومنتشرة لدى الشعوب العربية، ما عدا بعض النخب الفكرية والسياسية التي لا تمانع في فرض الديموقراطية على رماح الآلة العسكرية الأميركية، إضافة إلى أن إدارة الرئيس بوش الابن وفي هذا السياق وحتى بعض المفكرين الغربيين ترى أن المشكلة هي الشمولية في النظام السياسي العربي والإسلامي والفقر والبطالة وتهميش الأقليات هي سبب العنف في المنطقة، وأن الحل هو الديموقراطية، وقد يكون مثل هذا التوجه يحل بعض قضايانا، ويوصلنا إلى درجة من الاستقرار السياسي.
بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) وقبله سقوط الاتحاد السوفياتي أعطى الإدارة الأميركية القوة والاعتقاد بأنها تستطيع أن تفرض أجندة الديموقراطية على هذه المنطقة، ولكن من دون حل القضايا الرئيسية وهي القضية الفلسطينية، بل إن من كان يربط بين السياسة الخارجية الأميركية وانحيازها لإسرائيل كان يتعرض للهجوم غير المبرر، نعم قد يكون الإرهاب ليس مخرجاً مباشراً للسياسة الأميركية في منطقتنا، ولكن مثل هذا العامل له دور مهم في تأجيج الشعوب العربية والإسلامية، فنحن نتذكر مثلاً كثيراً من الجهاديين ممن قبض عليهم في العراق يكون أحد دوافع تغيّرهم هو ما شاهدوه في وسائل الإعلام، من مذابح وتدمير لبعض المدن العراقية.
تظل مفاهيم الحرب على الإسلام والمسلمين تلعب دوراً مهماً في فشل مفهوم نشر الديموقراطية الأميركية، خصوصاً مع وجود الفقر والبطالة والتهميش السياسي وضعف التنمية السياسية، مثل هذه القضايا تؤجج المنطقة وتدفعها نحو الانفجار، إلا أننا نجد الإدارة الحالية بدأت بانفتاح نحو المسلمين، من خلال حملة العلاقات العامة التي قام بها الرئيس باراك أوباما، والتي تمثلت في الخطابات التي ألقاها في تركيا ومصر، ودعا فيها إلى الانفتاح واحترام ثقافة وأديان هذه الشعوب، إلا أن الجهد الأميركي من هذه الإدارة خف حضوره في مجال laquo;دمقرطةraquo; المنطقة، وركّز على قضايا أخرى، مثل إيجاد مخرج لأزمتيه في العراق وأفغانستان، من خلال تشكيل لجان وتقارير يقوم الآن بتنفيذ توصياتها في تعاطيه مع الملفين العراقي والأفغاني، وقد تكون الأزمة الأخيرة بين واشنطن وتل أبيب هي بداية التعاطي الحقيقي لقضايا الديموقراطية والعدالة في المنطقة، فلا يمكن أن تقنع شعوب منطقة تشاهد القتل والدمار لأبناء الشعب الفلسطيني، وتطالبها بتقبل الثقافة الديموقراطية الغربية، فإذا كانت واشنطن منحازة بهذه الدرجة للجانب الإسرائيلي، فهي تضعف موقفها كحليف وصديق لشعوب وحكام المنطقة. إن الوقوف في وجه السياسة الإسرائيلية المتشددة في مسار السلام قد يعطي دلالات بأن واشنطن بدأت تقتنع بأن حل المشكلة الفلسطينية هو أحد وأهم مصالحها الاستراتيجية في التعاطي مع الملفات الأخرى في المنطقة، مثل الملف النووي الإيراني، الذي من الواضح أن واشنطن ستستخدم كل الوسائل المتاحة لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي قبل أن تستخدم القوة العسكرية، إضافة الى أنها لن تعطي إسرائيل الضوء الأخضر للقيام بمثل هذا العمل، ما يعني أن إسرائيل لا يمكن أن تستخدم الملف النووي الإيراني ذريعة للهروب من استحقاقات السلام مع جيرانها العرب، إضافة إلى سياسة نشر الديموقراطية في العالمين العربي والإسلامي.














التعليقات