جانين زكريا


لم تكن كلمة quot;التغييرquot; في الأغلب مرتبطة بمصر، إذ إن البلاد التي يحكمها الرئيس حسني مبارك منذ عام 1981، والتي يبلغ عدد سكانها نحو 80 مليونا تتحول إلى ما يشبه حاملة طائرات ضخمة أكثر من كونها مجرد طائرة صغيرة. وقد اكتشف الناشطون أن محاولة تعديل القوانين المقيدة للحريات أشبه بالسير خلال حركة المرور في القاهرة البطيئة للغاية.
وللمرة الأولى منذ ثلاثة عقود تقريبا، هناك الآن شكوك حقيقية حول ما إذا كان الرئيس مبارك quot;81 عاماquot; -الذي يعاني من مشاكل صحية- سيرشح نفسه للانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، أم سيدعم نجله الأصغر جمال، أمين لجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم، رغم الأصوات المطالبة بوضع حدٍّ لاحتكار الحزب الوطني للسلطة.
إن أكثر ما يثير الدهشة الآن على الساحة السياسية المصرية هو مدى التفاف وتوحد الناشطين الشباب في مجال الديمقراطية والليبراليين والشيوعيين والناشطين من العمال وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، في سعيهم للدخول في مرحلة مصر ما بعد مبارك، حول رمز غير عادي تمثل في الدكتور محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقال البرادعي في هذا الصدد: quot;لا أريد أن أرى الشعب المصري بأسره يشعر بالحماية بسبب وجوديquot;، وأضاف البرادعي -الذي بدا رغم تصريحاته مسرورا وحذرا إزاء مدى اهتمام الشعب المصري به: quot;يجب عليه القتال من أجل حريته سواء كنت معهم أم لا، فهناك إفراط في توقع ما يمكنني فعلهquot;.
ويبدو أن من غير المحتمل أن يمثل البرادعي -الفائز بجائزة نوبل للسلام عام 2005- تحديا صريحا للرئيس مبارك أو جمال ابنه أو أي مرشح بالحزب الحاكم، إذ إنه رفض الانضمام إلى أي من الأحزاب القائمة، ويقول إنه سيسعى للرئاسة فقط إذا وافق المشرِّعون أولا على قائمة مفصلة من الإصلاحات.
ويحمل ما ستكشف عنه الأشهر المقبلة في مصر أهمية كبرى للولايات المتحدة، التي تعتمد على مصر كشريك في المسائل الإقليمية مثل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني وأيضا كزعيم سياسي.
وبعد الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر 2001، مارس الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن ضغوطا قوية على مصر لتصبح أقل سلطوية، قائلا إن الاعتدال هو مفتاح القضاء على الإرهاب.
إلا أنه في وقت لاحق خلال فترة رئاسته، خفف بوش من تلك الحملة، وهناك بوادر طفيفة على أن الرئيس أوباما قد أعادها مجددا. ويقول مستشارو مبارك إنهم لا يشعرون بضغوط قوية سواء من الخارج أو الداخل، حيث قال علي الدين هلال الناطق باسم الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم quot;هناك عملية تغيير تحدث حاليا، لكن إذا كنت تتوقع تغييرا مثيرا وغير متوقع تماما فهذا احتمال غير واردquot;، مشددا على أنه quot;في مصر يأتى التغيير بطيئا، ومهما كانت الخلافة فستتم كما يقول الكتاب، هذه الأرض ليست بلدا للمغامراتquot;.
ويبرر الحزب الحاكم بطء وتيرة التغيير بالقول إن الديمقراطية هي عملية تعلم، إلا أن الإعلان عن سفر الرئيس لاستئصال المرارة في الخارج الشهر الماضي كان أمرا جديدا غير معتاد من قبل، إذ كانت رحلات الرئيس للعلاج في الماضي تحاط بالسرية، كما استشهد مسؤولو الحزب الوطني على تقدم الديمقراطية بالإشارة إلى تزايد عدد الصحف المعارضة وإقدامها على مناقشة الوضع السياسي بشكل أكثر صراحة مما كانت عليه في السنوات الماضية. ومع ذلك، فلا يزال هناك تقييد لحرية التعبير، بالإضافة إلى عدم السماح سوى ببعض الحقوق السياسية الأساسية في ظل استمرار الحكم بقانون الطوارئ المفروض منذ عقود والذي تؤكد القيادة السياسية أنها بحاجة إليه لمنع الإرهاب، إلا أنه يستخدم في الوقت نفسه لمنع تقدم المنافسين السياسيين. ومن بين العديد من الأمور أخرى، يحظر القانون التجمعات لأكثر من خمسة أشخاص دون تصريح، ويقول عصام العريان، أحد كبار أعضاء جماعة الإخوان المسلمين quot;أيا كانت المعايير التي يتم الحكم من خلالها، يتضح أن الحرية قد تدهورت بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الماضيةquot;، ويضيف العريان معربا عن إعجاب جماعته وغيرها من الجماعات بالبرادعي quot;قد نختلف بشأن التفاصيل، أو المرجعيات أو الأيديولوجيات، ولكن هذا لا يعني أننا لا يمكن أن تتعاون معا، فنحن نوافق على إجراء إصلاح شامل سياسي ودستوريquot;.
وقال البرادعي إنه لم يخطط لهذا الهوس الذي أحاط به منذ عودته إلى مصر، وإنه لم يعد إلى الوطن عازما على أن يصبح منقذ المعارضة.
وقد وضع مركز البرادعي على الساحة الدولية والشعبية التي يحظى بها على الساحة المحلية حزب مبارك في موقف أكثر صعوبة مما كان عليه خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة في عام 2005 عندما سعى بكل الطرق لتشويه منافسه أيمن نور الذي سجن في وقت لاحق لمدة أربع سنوات بعد مزاعم بأنه زور حملة توقيعات، ورغم ذلك، فقد كانت هناك محاولات لتشويه سمعة البرادعي في الصحافة، كما تم اعتقال بعض من الطلاب الأكثر تأييدا له.
فيما شدد الدكتور محمد كمال أمين التدريب والتثقيف بالحزب الحاكم على أن من حق أي شخص توجيه انتقادات للبرادعي، مضيفا أن بعض أتباعه ينظرون إليه كقديس، لكنه ليس قديسا.
وتجدر الإشارة إلى أن إدارة أوباما قد خصصت 1.3 مليون دولار هذا العام لجمعيات المجتمع المدني المصرية غير المسجلة، أي بزيادة طفيفة عن عام 2008، وهي السنة الأخيرة لإدارة بوش، حيث يرغب أوباما في رؤية انتخابات حرة quot;يمكن للشعب المصري أن يثق بها، ويكون تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان أولوية خلالهاquot; حسبما قال تمارا كوفمان ويتس نائب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى.
ومن بين الأشخاص الذين عانوا جراء الحملة على نشطاء المجتمع المدني في مصر أيمن نور الذي يقول منذ الإفراج عنه إن أمن الدولة نسف فرصه لتدريس القانون في جامعة خاصة، وتقديم برنامج تلفزيوني، وأضاف أن الحدث الجديد اليوم -مقارنة بالفترة التي رشح فيها نفسه للانتخابات في عام 2005- أن الناس أصبحت أكثر تركيزا على إيجاد quot;بديل لمباركquot;.
ويكمن التحدي الأكبر أمام البرادعي الآن في شرح كيفية تأثير تحقيق الديمقراطية على حياة البسطاء بحي quot;أرض اللواءquot; مثلا، ورغم وقوع هذا الحي إداريا ضمن منطقة quot;المهندسينquot; الراقية، فإن مَنْ يقوم فقط بعبور خط السكة الحديد من شارع السودان إليه، يفاجأ بأنه في أحد أشد الأحياء الشعبية فقراً.

ترجمة العرب