جابر حبيب جابر


قد يبدو هذا السؤال غريبا، لأننا جميعا نتحدث عن الأحزاب والسياسات الحزبية في العراق اليوم وكأنها شيء مفروغ منه، بل إننا نشتكي من كثرة الأحزاب وهيمنتها وصفقاتها، ولكن السؤال هنا هو: هل الأحزاب العراقية هي أحزاب حقيقية بالمعنى السياسي، وشبيهة على سبيل المثال بالأحزاب الغربية، أو حتى بالأحزاب الشمولية التي حكمت في أوروبا الشرقية وبعض بلدان المنطقة سابقا؟ التعريف الأكاديمي للحزب السياسي هو أنه منظمة سياسية تسعى عادة إلى بلوغ السلطة السياسية أو الحفاظ عليها، غالبا عبر المشاركة في الحملات الانتخابية والتواصل الجماهيري والاحتجاجات، وغالبا ما تتبنى الأحزاب آيديولوجيا أو رؤية واضحة معززة ببرنامج مكتوب ذي أهداف محددة (انظر موريس دوفرجيه أو سيغموند نيومان والكثير من الباحثين الكلاسيكيين الآخرين).

والسؤال هنا: هل ينطبق هذا التعريف على أي من الأحزاب العراقية laquo;الناشطةraquo; اليوم؟ الجواب ببساطة كلا. الانتخابات العراقية عبرت عن هذه الحقيقة بظاهرتين؛ إنه ليس هناك أي حزب سياسي laquo;عريقraquo; ndash; بما في ذلك الأحزاب الكردية الأقدم في الساحة العراقية ndash; قد اختار المشاركة في الانتخابات بمفرده وعبر المراهنة على رصيده الجماهيري وتاريخه، وجميع الأحزاب اختارت أن تدخل ضمن ائتلافات. وإذا كان يرد على ذلك بأن طبيعة الصراع السياسي في العراق والمتمحور حول الهويات الاثنية والطائفية (أو هكذا يراد له) تفرض نمطا من التحالفات التي تمثل مكونات اجتماعية بكاملها، فإن الظاهرة الثانية تدحض ذلك من حيث إن أيا من الائتلافات التي دخلت الانتخابات الأخيرة أو التي سبقتها لم تتجه إلى تحويل نفسها إلى أحزاب سياسية يمكن أن ينطبق عليها التعريف السابق، بل إن بعض الائتلافات السابقة أو اللاحقة للانتخابات تشهد مفاوضات داخلية أو أخرى متجاوزة للقيادة الائتلافية إن كانت هذه القيادة موجودة أصلا، بل إن مجرد الفشل في إفراز قيادة واضحة هو دليل على هشاشة تلك الائتلافات وطبيعتها الظرفية والطارئة.

إننا هنا بصدد شكل من التكوينات السياسية الفريدة التي تقف بين الحزب السياسي والتحالف السياسي، يشدها للأول الطابع التفتيتي للتجمعات العراقية ونزعتها إلى التمحور حول زعامات عائلية أو دينية أو خلايا صغيرة من أصحاب التفكير المتطابق الذين يجمع شملهم عدم قدرتهم على سماع شيء مختلف، ويشدها للثاني ضعفها السياسي وتقلص قاعدتها الشعبية وحاجتها لمظلة أوسع تخفي نقائصها وتعوض ضعفها. ولو ألقينا نظرة سريعة على عدد المقاعد البرلمانية التي أحرزتها الأحزاب الخمسة laquo;العريقةraquo; التي كانت موجودة قبل سقوط النظام السابق، وبالتالي تتمتع بالخبرة والحنكة السياسية (حزب الدعوة والمجلس الأعلى الإسلامي والوفاق الوطني والمؤتمر الوطني والحزب الإسلامي) لوجدنا أن ما حصلت عليه بمعزل عن مظلاتها الائتلافية هو أعداد محدودة من المقاعد أو مقعد واحد. خلافا لذلك فإن laquo;التيار الصدريraquo; الذي يرفض أن يطلق على نفسه تسمية الحزب قد حصد 40 مقعدا كانت كلها مرتبطة بولاء بعض المناطق الشيعية لعائلة الصدر ولرمزيتها الدينية.

إن الأحزاب السياسية الكبيرة في الديمقراطيات المستقرة هي كيانات مؤسساتية تتجاوز السلطة الفردية أو الكاريزما العائلية أو الهوية الاثنية أو الطائفية، وهي عندما ترتبط بهذه الأشياء تصبح هويتها وجدواها مأسورتين لهذا الارتباط ولا يعود لها وجود خارجه، الأمر الذي ينسحب على الحزب الديمقراطي الكردستاني، مثلا، إذا ما تفككت علاقته بعائلة بارزاني، وربما حزب الدعوة إذا تفككت علاقته بالمالكي أو الوفاق بعلاوي أو المجلس بعائلة الحكيم.

الأحزاب السياسية هي نتاج لمجتمع مدني مستقر تعلو فيه سلطة الدولة والمؤسسات على ما سواها وينتظم الاختلاف الآيديولوجي في تنظيمات قادرة على التعبئة والدعاية وكسب الجمهور والتواصل معه، محورها توجه فكري واضح ومحدد. لذلك، إذا كان العراق آخذا حقا بالاتجاه إلى استقرار النظام الديمقراطي ودولة المؤسسات فإن جميع الأحزاب الراهنة لن تكون قادرة على أن تكيف نفسها على المدى البعيد وستختفي مع انقضاء مرحلتها الراهنة، ولكن إذا أدركنا أن عملية بناء هذا النظام الديمقراطي المستقر وحكم المؤسسات وتجذيرهما اجتماعيا هي عملية طويلة تمتد لأجيال وتحتاج لرعاية صادقة، لأدركنا أن احتمالات نجاحها أقل من احتمالات فشلها.

إن المرحلة الانتقالية في العراق لا تسير باتجاه واحد بل هي مليئة بالاحتمالات المتناقضة وبحالة من اللايقين، وعليه فإنها لا يمكن إلا أن تكون منتجة لهذا النمط من السياسات غير المستقرة والارتباطات الطارئة والولاءات الدنيا. والطريف أن القوى السياسية - وهي تتفاوض اليوم - تخرج علينا بعد كل اجتماع بعبارة اتفقنا على توحيد البرنامج الحكومي، والحقيقة أنه ليس هناك أي برنامج يتم مناقشته، وأي حكومة قادمة لن تكون ببرنامج. العراق اليوم ليس عراق برامج بأي حال من الأحوال، بل هو أسير الارتجالات ورهانات اليوم، بل الساعة، بل اللحظة.