قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حازم صاغية

ينطوي، هذه الأيّام، عقد عربيّ أليم، وأليم جدّاً. عقدٌ اكتمل معه الردّ على سائر منجزات الحداثة السياسيّة والفكريّة. والحال أنّ الردّ هذا تواصل على محاور أساسيّة ستّة تتكامل في ما بينها:

فأوّلاً، انفجرت الطائفيّة انفجارها الكبير والمعلن والشامل، وكان لسطوع الخلاف السنّيّ ndash; الشيعيّ، في العراق ولبنان أساساً ولكنْ ليس حصراً، أن وفّر لها الوقود الصاعق الذي لم يملك مثله الخلاف المسلم ndash; المسيحيّ في لبنان ومصر. هذا الانفجار طرح، ويطرح، الأسئلة القاهرة على نسيج المجتمعات العربيّة وتراكيبها.

وثانياً، انفجرت الدولة الوطنيّة والاستقلاليّة، أو أنّها تتفجّر تباعاً، في اليمن والسودان والعراق ولبنان، وتبيّن، في هذه الغضون، أنّ الحرب الباردة والظروف الخارجيّة كانت العامل الأهمّ في بقائنا laquo;موحّدينraquo;. إنّ البلدان المذكورة، وسواها على الأرجح، مرشّحة لأن تعيش من دون دول، أي أن تبقى لزمن يطول أو يقصر، نهباً لفوضى مفتوحة واستبدادات أهليّة صغرى.

وثالثاً، انفجرت سطوة الغيب على الواقع، واللاعقل على العقل. لقد باتت الفتوى تمسك بحصّة ضخمة نسبيّاً من السلطة السياسيّة والأخلاقيّة لمجتمعاتنا. كذلك صار laquo;العالِمraquo; يرمز إلى رجل الدين أضعاف أضعاف ما يرمز إلى رجل العلم. إنّ ما يسمّيه البعض laquo;العقل العربيّraquo; يتعرّض اليوم لعمليّة تحطيم ذاتيّ متعاظمة.

ورابعاً، بتنا بلا مراجع للقياس عليها والمقارنة بها. فاندحار laquo;النموذج الغربيّraquo; (الذي لم يكن دخولنا laquo;النهضةraquo; سوى التعبير عن اعتناق نُخبنا له) صار يعني عمليّاً خوض الحروب (لبنان، غزّة 2006 - 2008) من غير اكتراث بمصائر الاجتماع والاقتصاد والتعليم وسواها. لقد صرنا من تحت الأنقاض نرفع شارة النصر. هذه حالة عقليّة هي الأخرى.

وخامساً، وفضلاً عمّا سلف، وعلى رغم تضحياته وأكلافه، لم يتزحزح الاستبداد قيد أنملة في معظم بلدان العالم العربيّ. laquo;الهيصة الديموقراطيّةraquo; توقّفت في 2006 وشرعت تنكفئ. الانتخابات إمّا ازدادت شكليّة (مصر، الأردن) أو أنّ السلاح أبقاها عاجزة عن التحوّل مصدراً للحياة السياسيّة. التغيير صار ملجوماً باحتمال الفوضى التي تزغرد في أفقنا أجمعين.

وسادساً وأخيراً، انحطّ الموقع الإجماليّ للمنطقة العربيّة وتراجع وزنها التفاوضيّ حيال سواها. هذا ما ينمّ عنه الصعود المثلّث للجيران: الأتراك والإيرانيّين والإسرائيليّين. يضاعف استنزافَ الموقع العربيّ العجزُ عن التقدّم على جبهتي الحلّ الفلسطينيّ ndash; الإسرائيليّ والسوريّ ndash; الإسرائيليّ... هذا إنْ لم نقل إنّ الجبهة الأولى تبدو ميؤوساً منها. هذه العناصر معاً ترفع درجة التوتّر في أعصاب المنطقة، ولا يستفيد من ذلك إلّا الاستبداد والتأخّر.

هذا لا يلغي وجود إيجابيّات حصلت على مدى العقد المنصرم: في العراق، ظهرت، بعد 2003، تعدّديّة سياسيّة وحريّات إعلاميّة وتعبيريّة، وفي لبنان، تمّ الانسحاب الإسرائيليّ في 2000، وفي أواسط العقد خرج الجيش السوريّ وقامت سفارتان بين البلدين وتمّ تحكيم العدالة الدوليّة... هذه الإيجابيّات في مجموعها لا تزال هشّة، تتحكّم بها المصادر الغنيّة للنزاعات الأهليّة وما يصحبها من عنف مؤكّد.

كلّ عام وأنتم بـ... ماذا؟