قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

داود البصري

لاأدري لماذا حين أطالع أنباء الزيارات الإعلامية لبعض الإعلاميين والصحافيين الكويتيين التي تمت اخيرا لكل من إيران والعراق تستدعي ذاكرتي على الفور صور وذكريات ربع قرن مضى من الزمان أيام الغزوات الإعلامية لوزارة إعلام نزيل السجن الأميركي في العراق حاليا, وزير الإعلام العراقي الأسبق لطيف نصيف جاسم الدليمي, وكذلك ملحق السفارة العراقية الإعلامي السابق في الكويت حامد الملا..!, فرغم تغير الظروف والمعطيات وجميع عناصر اللعبة الإقليمية بعد أن تغير العالم بأسره إلا أن التكتيك والتسويق وحملة العلاقات العامة ظلت على حالها لم تتغير كثيرا, فالمطلوب من الزائر والضيف إبراز الإيجابيات إن وجدت وغض الطرف عن السلبيات, بل وتبريرها بدوافع وأهداف ومبررات شتى, لن أعود الى تقليب صفحات التاريخ القريبة لأن في تلك العودة لربما بعض الإحراج لملفات يراد لها أن تغلق بالكامل, ولكنني سأكتفي بالتعبير عن وجهة نظري الخاصة في طبيعة تلك الزيارات ومحاولة تقويمها من الناحية المهنية الصرف فقط لاغير, من المعلوم أن الوفد الإعلامي الكويتي الذي زار خراسان الإيرانية وعاصمتها مشهد هو نفسه تقريبا ناقص بعض الأفراد الذي زار اخيرا العراق, وكل من بغداد وأربيل وكربلاء والنجف, فالعراق أصبح مركز قوى تمثلها مدن مختلفة بعد أن تنوعت وتشعبت الزعامات الطائفية والعشائرية والحزبية, فبالنسبة الى الزيارة الإيرانية فقد حرص أهل الدعاية والتسويق في النظام الإيراني ومن أهل السفارة تحديدا على إبراز جوانب معينة في تصرفات وأساليب النظام الإيراني تجاه جيرانه الذين توجه اليهم تهديدات البلطجة العسكرية بشكل دوري ويرسل فرقه quot;الحرسيةquot; وخلاياه التجسسية للتدخل في شؤونهم الداخلية, ويمعن في تكريس احتلاله للجزر الإماراتية الخليجية العربية المحتلة, بل ويؤسس لاحتلال أبدي ودائم لتلك الجزر عبر تكوين إقليم جديد بعنوان quot;إقليم الخليج الفارسيquot; يضم تلك الجزر العربية المحتلة! وجميعها ممارسات عدوانية وميدانية لاعلاقة لها أبدا بحملة العلاقات العامة الإعلامية التي تأتي لذر الرماد في العيون ولتكريس مواقف نفاق سبق أن عبر عنها بصراحة ملفتة للنظر رئيس وزراء دولة قطر, وزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني بقولته الصريحة quot;إنهم يضحكون علينا ونحن نضحك على بعضquot;!.. ولا أدري لماذا لم يأخذ منظمو تلك الرحلة الإعلامية الكويتية الى خراسان ذلك الوفد صوب كاشان جنوبا وحيث ينتصب المقام والضريح المزور والمنسوب للقاتل الأشر المجرم quot;بابا شجاع الدينquot; أو أبو لؤلؤة فيروز قاتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كرمز للصداقة بين المسلمين!, وطبعا بعد تلك الزيارة التي نظمتها ورتبتها السفارة الإيرانية في الكويت كتبت تعليقات وإشادات بالكرم الإيراني وبحفاوة الاستقبال, وتناسى القوم حقيقة أن النظام الإيراني بشكله الحالي وتوجهه المعروف الراهن نظام لايحترم القيادات التاريخية للثورة الإيرانية ذاتها, ولا يخجل من توجيه الاتهامات التلفيقية والمزورة بحق قيادات إيرانية وطنية فاعلة هي اليوم من قيادات الحركة الإصلاحية كانت لها مساهماتها في قيادة إيران في أحلك لحظات تاريخها الحديث أيام سنوات الحرب مع العراق, مثل رئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي والرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي, ورئيس البرلمان الأسبق وبعثة الحج الإيرانية أيضا آية الله مهدي كروبي! فإن كان هؤلاء ومعهم الملايين من أحرار إيران عملاء للشيطان الأكبر فمن هم الأطهار في إيران إذن ? هل هو مستشار الرئيس نجاد أسفنديار مشائي مثلا, بل أن النظام الإيراني quot;الحرسيquot; لم يتورع أبدا عن إهانة أحد الرموز الدينية والمرجعية والسياسية الذي دفع غاليا ثمن معارضته للديكتاتورية والاستبداد وهو المرجع الديني الراحل والنائب الأسبق للولي الفقيه والذي كاد أن يورث ولاية الفقيه لولا صراحته وابتعاده عن النفاق, إنه المرحوم آية الله حسين علي منتظري الذي حوربت حتى جنازته وحيث تعرضت صحفية إيرانية اخيرا وهي الصحافية شيوا نظر آهاري لعقوبة السجن لأربعة أعوام والجلد 74 جلدة لأنها شاركت في تشييع آية الله الراحل, فهل بهكذا نظام يمكن الثقة وبالتالي تقبل منه الدعوات الإعلامية? في الفم ماء كثير ولو أسهبت في الشرح والتعليل لحقيقة الدوافع والأهداف ولما جرى وحدث فلن أضمن أبدا نشر مقالي, ولكنه رأيي المتواضع والصريح أبيت إلا الإعلان عنه.
أما زيارة الوفد الإعلامي الكويتي الأخيرة للعراق فهي من الطرائف والأعاجيب والنوادر المثيرة للتأمل , فالوفد الكويتي زار كالعادة المنطقة الخضراء وألتقى برموز السلطة العراقية الحالية من رئيس الوزراء نوري المالكي الذي ألقى خطابا عرمرميا عن أزلية العلاقات الكويتية - العراقية مشابها كالعادة في الصيغة والمضمون لكل خطابات رؤساء العراق السابقين من عبد السلام وعبد الرحمن عارف وحتى أحمد حسن البكر وصدام حسين , ومؤكدا على عدم إمكانية تكرار عملية الغزو العسكري, وهي حقيقة لا تقبل التأويل, لأن الوضع العراقي العام مختلف اليوم بالمرة والقوات العسكرية العراقية الراهنة عاجزة عن حماية قادتها ونفسها من اغتيالات واختراقات العصابات الإرهابية والإجرامية, سواء من جيش المهدي أو جيش الصحابة فلا فرق في التسميات أبدا, وحتى رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة وزعيم دولة القانون لا يستطيع فرض القانون وميزان العدالة بحق طبقة المجرمين المعروفين, وأقصد بذلك أنه وقواته العسكرية وفيالقه وفيلق حمايته الخاص أيضا لا يستطيعون تقديم مقتدى الصدر للعدالة أو حتى التحقيق لأسباب معلومة! فهل بمثل هكذا نظام مهلهل وقيادة عاجزة يمكن الوثوق? بعد ذلك وبعيدا عن المجاملات الديبلوماسية المعهودة وعبارات الترحيب وقبلات النفاق هل تجول الوفد الإعلامي الكويتي في شوارع بغداد الحزينة أو بقية المدن العراقية التي زارها ? هل جلس وتواصل مع المواطن العراقي التعيس وهو يبحث عن الكهرباء المفقودة ? أو يجاهد من أجل الأمن والأمان والتخلص من الحواجز الكونكريتية ومصائب الزمان ? وهل اطلع الإعلاميون الكويتيون على حجم وطبيعة الخراب السائد في الشوارع العراقية بعد نحو ثمانية أعوام على الاحتلال وخمسة أعوام على تولي نوري المالكي ورهطه من أهل quot;الدعوةquot; والمؤلفة قلوبهم للحكم في العراق? طبعا الجواب معروف ولاحاجة للإفاضة والشرح, ولكن أطرف الإشارات الإعلامية كانت قد وردت من الأستاذ الكبير والصديق الكريم وكابتن صحافة الرأي الكويتية السيد سامي النصف حينما كتب مجاملا وهو يصف قيادة العراق الحالية بالقول :
quot;إن القيادة العراقية التي كانت مركزا للديكتاتورية.... إلخ.. قد تحولت اليوم لروافد ذكاء وحكمة وحب للخيرquot;!
وهنا أتساءل حقيقة عن معايير الذكاء في القيادة العراقية التي احتاجت لنحو العام الكامل لتشكيل حكومة لم تزل ناقصة حتى اللحظة? أو عن الذكاء المفرط في تسليم الجمل بما حمل لأحزاب قومية كردية تمارس سطوتها الحقيقية على النظام في العراق, وهي التي سبق لها أن طلبت من نظام صدام التدخل لحل مشكلاتها وصراعاتها فإذا بها في ظل ذكاء أهل حزب الدعوة والمجلس الأعلى المفرط وبقية البعثيين من التوابين تتحول لصانع للملوك في عراق يحتضر ويسير في طريق التقسيم? عن أي ذكاء وروافد حكمة يتحدث أستاذنا الكريم وهو يرى العراقيين يهربون بالجملة و المفرق من بلادهم طلبا للأمان و راحة البال, والكهرباء وللتخلص من قرف الميليشيات وقرف تحويل العراق لدولة دينية طائفية مريضة ينعق بوم التخلف في أرجائها الأربع? أي حب للخير وقيادات الطوائف في العراق تضع خناجرها خلف ظهورها منتظرة الفرصة المناسبة للأجهاز على الديمقراطية العراقية الرثة? والعجيب إن لقاءات الوفد الإعلامي الكويتي في بغداد والنجف وكربلاء كانت مع ضفة طائفية واحدة, مع المالكي وعبد المهدي وبقية إخوان الصفا وخلان الوفا, فيما لم يتم أي لقاء مع طارق الهاشمي أو صالح المطلك.. أو.. أو... فما هو السر? ومن وضع برنامج و جدول الزيارة? على كل حال نعتقد إن التاريخ يكرر نفسه, فإذا كان في المرة مأساة, فهو في المرة الثانية ملهاة... و للحديث صلة بعد متابعة انطباعات من زار وعاد وقال كلمة الحق.