قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

وليد نويهض

قبل الأربعاء المقبل لن ترتسم صورة لبنان السياسية بعد إقدام وزراء قوى 8 آذار على تقديم استقالتهم من حكومة الوحدة الوطنية. فالاستقالة جاءت على خلفية فشل الاتصالات السعودية - السورية في التوصل إلى صيغة حل للأزمة المحتمل انفجارها بعد صدور البيان الاتهامي عن المحكمة الدولية. وخطوة الاستقالة ما كان بإمكانها أن تحصل من دون تقاطع سوري - إيراني بشأن تداعيات أزمة متوقعة.

بانتظار يوم الأربعاء يمكن قراءة التداعيات التي انتهت بإسقاط حكومة سعد الحريري التي تم تأليف عناصرها في ضوء نتائج الانتخابات النيابية وفوز قوى 14 آذار بالغالبية النسبية. فالحكومة تم تركيبها كيماوياً من خلال مزج عناصر اللوائح الفائزة في إطار اتفاق توافق على برنامج وزاري يضمن مصالح القوى ولا يعرض رموزها إلى مضايقات تعطل عليها إمكانات التواصل مع جمهورها. لذلك جاء البيان الوزاري يلبي حاجات الطوائف والمذاهب والمناطق في الحدود الدنيا ما جعله عرضة للتأويل الدستوري والتجاذب السياسي.

انهيار الحكومة وضع حداً للتفاهم القلق وقطع الطريق على استمرار المراهنة على دور سين - سين وفتح الباب لإعادة خلط الأوراق بين اللوائح النيابية. وهذا الأمر ستظهر صورته بعد انتهاء رئيس الجمهورية ميشال سليمان من الاستشارات النيابية في يومي الإثنين والثلثاء ليعلن الأربعاء اسم الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة.

اسم الرئيس المكلف سيضع حداً للتكهنات ويرسم خريطة طريق للتوازنات الداخلية. إذا وقع اختيار الغالبية النيابية على سعد الحريري بوصفه يمثل الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان تكون قوى 8 آذار أقدمت على تنفيذ خطوة سورية - إيرانية ناقصة. وإذا وقع الاختيار على اسم آخر غير الحريري تكون الخطوة جاءت في سياق متغيرات دولية وإقليمية بدأت تظهر ملامحها الأولية في العراق من خلال التقاطع الأميركي - الإيراني في جانب وعودة السفير الأميركي إلى دمشق يوم الإثنين المقبل في جانب آخر.

الخيار البديل يشكل بحد ذاته استدارة إقليمية في إطار عملية ترتيب التوازن الداخلي اللبناني، لأن التوافق النيابي على رئيس حكومة من خارج الغالبية السياسية يضع المسألة اللبنانية في سياق تحولات تتطلب موافقة دولية على إنجازها. والموافقة هذه تتطلب عدة شروط لإنجاحها منها التفاهم الأميركي - السوري، ومنها التراجع السعودي - المصري وعدم الاعتراض عليها، ومنها دخول إيران بوضوح على خط المعادلة اللبنانية وما تعنيه من مضاعفات أهلية ممتدة جغرافياً وجوارياً.

الخيار البديل يعني سياسياً فتح الأزمة اللبنانية (الفراغ الدستوري) على احتمالات التدويل بسبب الصعوبات التي واجهت مشروع التعريب. والتدويل في حال ارتفعت احتمالاته سيضع مختلف الأطراف إمام استحقاقات صعبة لكونه يتضمن مجموعة شروط تبدأ بالمحكمة الدولية وتنتهي بسلاح حزب الله. فهل أصبحت الظروف ناضجة لحسم كل الخلافات؟ السؤال لا يمكن الإجابة عنه قبل الأربعاء المقبل؟

قبل أن يقترب الموعد يمكن إجراء مقاربة لفهم خلفية استقالة وزراء 8 آذار. فالاستقالة جاءت في توقيت أعلن فيه عن فشل مبادرة سين - سين حين كان الحريري في زيارة إلى الولايات المتحدة ما فتح باب التأويل بشأن دور واشنطن في تعطيل اتصالات الرياض ودمشق وإسقاطها قبل أن تنجح في اختراق الأزمة. والاستقالة جاءت أيضاً قبل قمة اسطنبول التي ستعقد بين إيران والدول الست في 21 و22 يناير/ كانون الثاني الجاري لبحث الملف النووي وما يتفرع عنه من نقاط حساسة.

إذا كانت الاستقالة جاءت رداً على تدخل أميركي تكون الخطوة مكشوفة دولياً وتحتاج إلى غطاء إقليمي حتى تنجح في التوصل إلى أهدافها المحلية التي تتخلص الآن بالمحكمة الدولية. وإذا كانت الاستقالة خطوة استباقية جرى توقيتها قبل انعقاد قمة اسطنبول بقصد إرباك الولايات المتحدة والضغط عليها من خلال إظهار أوراق القوة على طاولة المفاوضات تصبح مسألة سلاح حزب الله نقطة قابلة للمساومة في إطار جدول المقايضة والأولويات.

الأسوأ من الاحتمالين أن تكون خطوة الاستقالة ناقصة وغير مدروسة من دمشق وطهران. وهذا الأمر يمكن استبعاده لأن المضاعفات الدولية والإقليمية الناجمة عن الفراغ الدستوري الكبير والطويل سترتد سلباً على قوى 8 آذار في مرحلة بدأ الكونغرس الأميركي (الجمهوري) يأخذ المبادرة أو على الأقل يتقاسم السلطة مع إدارة باراك أوباما الديمقراطي.

المرجح أن تكون سورية وإيران درست الخطوة دولياً وإقليمياً قبل الإقدام عليها حتى لا تؤدي تفاعلاتها إلى مضاعفات ترفع من نسبة تدخل عواصم القرار في الشأن اللبناني وتستدرج دمشق وطهران إلى مواجهة غير متوقعة تفتح الأزمة على احتمالات غير منتظرة.

المسألة إذن تتطلب مراقبة الساحة اللبنانية حتى تتوضح صورة الرئيس المكلف يوم الأربعاء المقبل. فإذا عاد الحريري إلى الواجهة يرجح أن يتكرر السيناريو السابق وبالتالي تمديد الأزمة وتطويل فترة الفراغ الدستوري إلى أن يصدر قرار المحكمة الدولية. وإذا تم تكليف رئيس حكومة من قوى 14 آذار أو كتلة laquo;المستقبلraquo; تكون المشكلة اختصرت بالشخص واستبدلت الأزمة بتداول الوجوه من دون تعديل حاسم. وإذا كلف رئيس حكومة محايد تكون قوى 8 آذار وافقت على تقاسم السلطة مع تعديل بسيط في التوجهات وسياسة التعامل مع البيان الاتهامي (القرار الظني) الذي لا يعرف توقيت صدوره. وإذا كلف رئيس حكومة محسوب على 8 آذار (وهذا الاحتمال صعب جداً وليس مستحيلاً) تكون كفة التوازن أخذت بالانكسار لمصلحة انحسار الدور العربي وانكشاف لبنان إقليمياً مقابل نمو موقع الوسيط الدولي وما يمثله من إمكانات كبرى تساعده على التدخل وترتيب الحلول لمشكلات مستعصية.

احتمال التدويل (بعد فشل التعريب) ليس مستبعداً وخصوصاً أن أسهمه ارتفعت بعد الإعلان عن إسقاط حكومة الحريري. فالولايات المتحدة أخذت بالتحرك، وفرنسا باشرت بإجراء الاتصالات، وتركيا أبدت استعدادها للقيام بدور إقليمي يتمتع بغطاء أميركي - أوروبي. كل هذه الانفعالات الدبلوماسية وما يواكبها من أنشطة واتصالات معلنة ليست مهمة في الحسابات العامة. فالأهم من المشهد المرئي تلك القنوات laquo;السريةraquo; واللقاءات الفنية والتقنية التي تجرى وراء الكواليس.

هذا هو بالضبط بيت القصيد من وراء استقالة وزراء 8 آذار. فالخطوة إذا كانت مدروسة تكون حصلت في سياق التفاهم السوري - الإيراني المعطوف على التقاطع الأميركي - الإيراني في العراق وتلك المفاوضات التي اتفق على مراجعة ملفاتها المتنوعة الأشكال والألوان في قمة اسطنبول.

موعد 21 و22 يناير لا يحتاج إلى الانتظار طويلاً لأنه بالإمكان التعرف على عناوينه العريضة من خلال متابعة ما يحصل في العراق وفلسطين ولبنان. ففي بلاد الرافدين يستعد رئيس كتلة laquo;العراقيةraquo; إياد علاوي لتلبية دعوة تلقاها لزيارة إيران وبحث المشكلات العالقة بين البلدين. وفي غزة أعلن إسماعيل هنية باسم laquo;حماسraquo; والفصائل الفلسطينية عن تمديد الهدنة غير المعلنة مع laquo;إسرائيلraquo; وتشديد إجراءاتها على طول الحدود لمنع إطلاق الصواريخ وقذائف الهاون. وفي بلاد الأرز أعلن عن فشل مبادرة سين - سين واستقالة وزراء 8 آذار لتبدأ سلسلة اتصالات دولية وإقليمية لاستيعاب تداعيات الأزمة عشية انعقاد قمة اسطنبول.

الملفات العراقية والفلسطينية واللبنانية مترابطة لأسباب بعيدة وقريبة. لذلك لا يحتاج الأمر إلى انتظار طويل حتى يمكن التعرف على تفصيلات الصورة الدولية - الإقليمية لمسار التفاوض المتصل بمختلف القضايا وملفاتها العالقة. يكفي مراقبة ما سيعلن في بيروت الأربعاء المقبل عن اسم الرئيس المكلف. فالاسم له دلالات وإشارات ومنه يمكن فهم الاحتمالات المتوقع حصولها تباعاً في قمة اسطنبول وبعدها.