قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله بن بجاد العتيبي

بكل المقاييس شهد يوم الجمعة الماضي، 14 يناير 2011، لحظة تاريخية لا على مستوى تونس فحسب، بل على مستوى العالم العربي بأكمله، فقد تعوّد العالم العربي على انقلاباتٍ عسكريةٍ تتسمّى بالثورة كما جرى في ثورة الضباط الأحرار على الملك فاروق في مصر، وثورة القذّافي على عائلة السنوسي الملكية في ليبيا، وثورة عبدالكريم قاسم على الملكية في العراق، وثورة الضبّاط الأحرار على الإمامية في اليمن ونحوها.

غير أنّ ما جرى في تونس مختلف تماماً وغير مسبوقٍ في التاريخ العربي الحديث، حيث أنّها لم تكن ثورة عسكرية يقودها مجموعة من ضبّاط الجيش عبر تنظيماتٍ صغيرةٍ داخل الجيش يستولون من خلالها على الجيش والسلطة والنظام السياسي، ثم يخرجون بإعلان البيان الأوّل، كما جرى في أغلب الثورات السابقة، ولكنّ الثورة التونسية حرّكها الشعب وقادها الشعب وفاز بها الشعب، ولولا بعض دماء التونسيين الزكيّة لكانت ثورة بيضاء في تونس الخضراء. يثور هنا سؤال مهم هو ما الذي يميّز الشعب التونسي حتى كانت ثورته بهذا الشكل؟

يميّز تونس تاريخها الطويل مع الثقافة والتحضّر والمدنية الذي شكّله ورعاه بورقيبة، يميّزها نظام تعليمي متقدم سواء كان تعليماً عاماً أم عالياً، يميزها ثقافة العمل والانتماء لمفاهيم العالم الحديث حيث تقديس التنمية والحرية واحترام العلم والشعب، فقد كان بورقيبة قائداً شرساً مقتنعاً بأفكاره وكان في الأحداث الكبرى داخلياً وخارجياً يناقش كل الفعاليات التونسية ثم يخرج لهم برؤيته التي تخدم أهدافهم ورؤيته، وغالباً ما يحوّلها لمشاريع دولةٍ.

المراقب للأحداث يمكنه عبر رصد تعليقات النخب وتعليقات رجل الشارع ملاحظة بروز الثقافة وبروز الوعي، فالنخب تؤكد على السلمية والمدنية لاحتجاجها، وتعترف بتقدم الشارع عليها، وممثلو الشارع الشباب متعلمون ومدنيّون يتحدثون بلغات أجنبية فرنسية وانجليزية ويعبرون عن موقفهم بمفاهيم مدنية حديثة تشبّعوا بها، وهي التي ضمنت ثورة بيضاء أو خضراء لا ثورة حمراء.

لم أسمع فيما تابعت شعارات أيديولوجية، إسلامية كانت أم قوميّةً في مظاهرات الشعب التونسي، وذلك بفعل التحصين القوي الذي حظي به الشعب التونسي عبر تاريخه الحديث، تجاه هذه الشعارات الأيديولوجية، التي تنثر شعاراتها الأيديولوجية المتخلفة في أكثر من بلدٍ عربي، في العراق وفي لبنان حيث الطائفية المشينة والولاءات الخارجية والتهديد بالسلاح.

لقد كان صانعو الثورة البيضاء بكل بساطة مواطنين تونسيين يسعون لحقوقهم كشعب واع، وتحضّرهم وثقافتهم منعتهم من الانخراط في ثورة دموية، وجيشهم المتحضر والمثقف امتنع عن استغلال الأزمة والدخول في السياسة وأخذ زمام السلطة، واكتفى بدوره المفروض برعاية الأمن والاستقرار وحماية المجتمع والدولة، حتى يرتّب السيّاسيّون خلافاتهم.

غير أن المشهد ليس صافياً، ونقاء الثورة قبل نجاحها لا يمكن الاطمئنان على استمراره بعد النجاح، وقد بدأ الإعلام التونسي يغطي نتائج الفراغ في السلطة حيث الفوضى، فأحياء كثيرة تنهب، وسجون تحرق وسجناء يفرّون، وعصابات شبه منظّمة تنشر التخريب والدمار في كل مكان، نعم، ثمة تحديات كبرى تنتظر الشعب التونسي، منها ضبط الأمن واستعادة الاستقرار، وبناء نظام سياسي يحقّق طموحات الشعب الثائر ويضمن رقيه.

طبيعي أن الثورات المدنية وحراك الجماهير الضخم قد تتخلله جماعات تستغل الوضع لتمارس أعمالاً إجراميةً، والتحدي هو ضبط الأمن حتى لا تضيع هكذا أعمال، مكتسبات الثورة البيضاء، وطبيعي أن تسعى بعض التوجهات الأيديولوجية بحكم تنظيمها وخطابها إلى الركوب على موجة الجماهير وتوجيهها لغاياتها والتحدّي هو أن تستمرّ تونس كما كانت نموذجاً ثقافياً واجتماعياً مميزاً، وأن تواجه هذا التحدّي بالوعي الراسخ وتبنّي العقلانية في التحركات والخيارات.

طبيعي كذلك أن يطالب الشعب التونسي بالديمقراطية الحقيقية لا الشكلية فهو شعب واع ومثقف، ولديه نخب مثقفة على كل المستويات، ومظاهراته قادها المحامون ونقابات العمّال، ولهذا مع وجود بعض الشعارات quot;اليساريةquot; فقد التزمت الجماهير في حراكها العمل السلمي، والتحدّي أن تخسر هذه النخب مكانتها وتنقاد للشارع الأدنى الذي يسيطر على مشهد الجماهير عادةً وأن تحتفظ بوعيها وقدرتها على الفرز والمحاكمة لكل الشعارات والمفاهيم المطروحة، مع الوعي بكل تفاصيل الشارع التونسي والحرص على ألا تنحرف إلى الغوغائية.

هل يجب أن تخشى دول الجوار في ليبيا ومصر مما جرى في تونس؟ الجواب: نعم، ولا، في نفس الوقت. نعم، فيما يتعلّق بمحاربة الفساد ونشر العدالة والتركيز على رفع سقف الحريات ورعاية الحقوق، ونحو هذا، ولا، لأنّ الوضع في البلدين مختلف نوعاً ما عن تونس، فليبيا تستطيع تجاوز ما يسمّيه غوستاف لوبون بـquot;عدوى الجماهيرquot; بسببٍ ثروتها المالية الضخمة التي تستطيع أن تغدقها على الشعب بين عشية وضحاها مع إصلاحات سياسية يقودها سيف الإسلام القذافي نظراً لتاريخه الذي يمكن تسميته بالإصلاحي على الأقل داخل أجنحة السلطة هناك، أمّا مصر فتستطيع تجاوز هذه quot;العدوىquot; عبر الحريات الإعلامية التي منحتها من قبل لكل الشعب، حتى صار نقد النظام ونقد مبارك موضةً لدى الطامحين من الشباب سواءً كانوا شعراء أم قصّاصاً، أم صحافيين، أم كاريكاتوريين، أم فضائيين، وبإمكانها إضافة الكثير لتجنّب هذه العدوى، غير أنّ ثمة عدداً من الجمهوريات العربية يجب أن تخشى ما جرى في تونس، خاصةً تلك التي لديها جزء كبير من سلبيات النظام التونسي، ونسبة أقل من إيجابياته.

لم يرفع الشعب التونسي شعارات أيديولوجية ولم يتغنّ بشعارات فضفاضة كالحديث عن العزة والكرامة كشعار لا كقيمة مطلوبة دون شك، بل على العكس لقد رفع الشعب التونسي شعارات مدنية متحضرة، تتعلق بالحرية والعدالة والمساواة والحقوق، وشعارات الجماهير تدلّ على مستوى الوعي الذي تكتنزه، وإرث بورقيبة المدني يظلّل ما يجري في تونس، والرهان الآن هو في المحافظة عليه قدر الإمكان وتجاوز الأسابيع والأشهر القادمة بحكمة وهدوءٍ وتعقّل.

بعض ما يقوله الدرس التونسي هو أن من يريد الاستقرار فلا يجب أن يستهين بغضب الشعب، ولا يجب أن يسمح بتراكم مشاعر السخط والإحباط لديه، ومما يقوله كذلك إن المدنية ومفاهيمها وأفكارها تبني شعباً متنوّراً يعرف كيف يحتج وكيف يغضب، وأن المفاهيم الأيديولوجية بمفاهيمها وأفكارها تبني شعباً ثائراً ودموياً على استعداد على الدوام لا على الاحتجاج بل على التخريب والتدمير.

مما كانت تنقله القنوات رأينا الكثير من المتظاهرين التونسيين يحملون الجوالات الحديثة، وكاميرات التصوير، ما يعني الانخراط التام في وسائل الاتصال الحديث، وقدرة جيل العولمة على التغيير، وخلق الفرق، فهذه الصور لا تلبث إلا قليلاً لتكون منشورةً على نطاق واسع في quot;اليوتيوبquot; أو quot;الفيس بوكquot;، وقد أثبتت وسائل الإعلام الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي الحديثة قدرةً هائلةً على تحريك الشارع وتنظيم احتجاجاته ومن هنا، فإن القائد الواعي هو من يحسن قراءة توجهات هذا الجيل، الذي تسيطر عليه مفاهيم العولمة الحديثة.

أخيراً ففي تحليل إخباري نشرته quot;كريستيان ساينس مونيتورquot; عبارة تقول: quot;لعل حكام الشرق الأوسط أخذوا يدركون أن استمرار القمع بلا متنفس سيؤدي الى الغليان. فالشعب لن تبقى أنفاسه مكتومة إلى الأبد بلا أفق، لا سيما وأنهم يرون عن طريق الإنترنت وشاشات التلفزيون الإمكانات المتاحة في أماكن أخرى من العالمquot;.