قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سركيس نعوم

عندما أحرق التونسي المتعطل من العمل في سيدي بوزيد نفسه، احتجاجاً على ظروفه الصعبة وتضاؤل فرص العمل وانعدام تكافؤ الفرص بين المواطنين، وعلى الغلاء والفقر وما الى ذلك من مطالب اجتماعية محقة، وبعدما اطلق ذلك حركة احتجاج شعبية راحت تتوسع في سرعة، تساءلتُ اذا كان التاريخ في تونس الخضراء على اهبة اعادة نفسه. ذلك ان الرئيس زين العابدين بن علي الذي أرغمه الشعب على الفرار من بلاده كان ازاح من رئاسة الجمهورية ولكن بانقلاب عسكري وليس باحتجاج شعبي، الحبيب بورقيبة. علماً ان الشعب في حينه لم يكن متمسكاً برئيسه الابدي ذاك. وبرر بن علي فعلته بتقدم بورقيبة في السن وما يرافق ذلك من تضاؤل امكانات الحكم لديه. وبرره ايضاً بسيطرة زوجته quot;الماجدةquot; وسيلة على السلطة وعلى مرافق عامة وخاصة اخرى، وبفسادها ومحيطها كما بفساد افراد في عائلته بعد طلاقه منها. ووعد بعد نجاح انقلابه الشعبَ بالديموقراطية والحرية والخبز وفرص العمل وما الى ذلك. وكدت نتيجة التساؤل المذكور اكتب عن هذا الموضوع. لكن تطور الاوضاع في لبنان وتسارعها، واندفاع القوى الاقليمية والعربية والدولية الى التدخل فيها وإن بكثير من التناقض، كل ذلك جعلني أعدل عن الكتابة مفضلاً عدم quot;التوقعquot; وانتظار ما قد يحصل فعلاً. وحصل quot;المتوقعquot; أي حصلت الخطوة الأولى الضرورية للتغيير، أي الخروج من السلطة على النحو المذل الذي شاهده العالم، اي الفرار بواسطة طائرة quot;في ليلة لا ضوء قمر فيهاquot; كما يقال. اما الخطوات الاخرى quot;البناءةquot; فلا بد من الانتظار بعض الشيء لمعرفة اذا كانت ستبدأ وستستمر، وكيف؟
ما القصد من هذا الكلام الآن؟
ليس القصد التبجح quot;بتوقعquot; حَصَلَ وان لم أُطلِعْ عليه أحداً كتابة. بل القصد هو لفت الشعوب في دول عالمنا العربي، أو على الاقل معظمها، الى انها تستطيع التغيير اذا بلغ السيل الزبى في سخطها على الانظمة التي تحكمها، او بالأحرى اذا بلغ ظلم هذه الأنظمة ولاإنسانيتها وعدم احترامها للقيم الانسانية والديموقراطية والدينية الحقيقية (التسامح مثلاً) حداً لا يطاق. وما حصل في تونس سيكون له من دون أدنى شك تأثير مهم على الاوضاع في دول عربية عدة تعيش شعوبها غلياناً كبيراً خلف ستار شكلي ومفروض من الاستقرارين الامني والسياسي. ولذلك أعتقد ان الأنظمة العربية الحاكمة في غالبيتها وبالرجال الاقوياء فيها لا بد أن تكون بدأت اجراء الحسابات، وضرب أخماس لأسداس، والبحث عن أفضل الطرق لتلافي تكرار ما حدث في تونس عندها. علماً انها تعرف او يفترض ان تعرف، اذا كانت جاهلة أو متجاهلة، ان افضل السبل لذلك هو اراحة الشعوب اجتماعياً وحياتياً واقتصادياً، واشراكها في الحياة السياسية في شكل أو في آخر، والاعتماد عليها وليس على العسس والجيوش والمخابرات فقط من اجل البقاء. فهؤلاء مهمتهم الأولى حماية الدول من أعداء الخارج، وحماية الاستقرار في الداخل اذا هدده عابثون، او اصحاب اجندات خاصة لا يشكلون نسبة مهمة من مجموع الشعوب، واخيراً حماية الشعوب من حكامها اذا طغوا وتجبّروا وافسدوا شرط عدم تحول قادتهم مثل هؤلاء الحكام.
في اختصار، قد يكون هناك قصد آخر من هذا الكلام غير تونس وتداعيات ما جرى فيها على الصعيد العربي، وهو لفت الانظمة العربية الى وجود خطر آخر يهددها الى خطر التردي الاقتصادي والحياتي والاجتماعي. هذا الخطر هو توسّع انتشار التطرف الديني في العالم العربي، والمقصود الاسلامي، ليس لأن التطرف لم quot;يُعْدِquot; بعد مسيحييه، وليس لأن quot;اسرائيلquot; الدولة اليهودية بعيدة عن التطرف، بل لأن المسلمين يشكلون الغالبية الساحقة من ابناء العالم المذكور، وتحديداً لأن السنة يشكلون الاكثرية الساحقة من هؤلاء. وهو (أي الخطر) لا يهدد الأنظمة فحسب، بل يهدد الشعوب ايضاً، سواء كان التنوع المذهبي أو الديني والتنوع السياسي سمتها. وهذا يعني فوضى امنية وحروباً أهلية وانهيار دول ومجتمعات. ويبدو من متابعة تنامي الخطر المذكور هذا انه صار اكثر تأثيراً من التردي الاقتصادي والحياتي والاجتماعي على الدول والشعوب، وخصوصاً في العالمين العربي والاسلامي. ذلك ان دعاة الفكر الديني المتشدد وغير المتشدد استعملوا المظالم المتنوعة للانظمة في الداخل، واخفاقاتها المتنوعة في الداخل ومع الخارج، وخصوصاً المعادي، وارتكاباتها الاخلاقية والسياسية والوطنية والقومية والدينية، بغية رفع شعار quot;الاسلام هو الحلquot; واقناع الناس ان دولة الاسلام في دول العالمين العربي والاسلامي هي التي ستخلص شعوبهما من كل المظالم المذكورة، والتي ستوفر لها حقوقها المتنوعة، والتي ستصون حقوق الاوطان وحرماتها. طبعاً هذه النظرة قد لا يعترض عليها أحد من حيث المبدأ، وربما انتشرت لأن احداً لم يعترض عليها في البداية، واحياناً لأن حكاماً معينين استعملوها لتصفية تركات من سبقوهم الى السلطة، ولأن حكاماً آخرين وظفوها لاخضاع مواطنيهم ثم لإلهاء شركائهم الدينيين في السلطة منذ تأسيسها في الدعوة والتبشير خارج بلادهم أو بلدانهم وصرفهم عن التدخل والمراقبة في الداخل. كما انها انتشرت لانها وُظِّفت من داخل ومن خارج لتحقيق أهداف دولية لا علاقة للمنطقة بها (اخراج الاتحاد السوفياتي من افغانستان ثم العمل لفرطه وانهائه. وقد نجح ذلك). والذي يحصل الآن ان العالمين العربي والاسلامي، وبصرف النظر عن انظمتهما، ومعظمُها غير اسلامي، سواء بالمعنى المتشدد أو بالممارسة، يعيشان وضعاً اسلامياً بالغ الصعوبة. فهناك من جهة اسلام مهم اسمه الوهَّابية التي مركزها الأول العربية السعودية ودول مجاورة لها. وهناك من جهة اخرى اسلام اخواني تمثلة حركة quot;الاخوان المسلمينquot; ذات المنشأ المصري والانتشار العربي والدولي الواسع. الاسلام الأول بالغ التشدد، وقد نشأت على اطرافه التيارات والحركات العنفية والتكفيرية والمنظمات التي اعتمدت ما يصفه العالم، ومنه الاسلامي، بالارهاب الأعمى وابرزها quot;القاعدةquot; وquot;طالبانquot; وجماعات أخرى كثيرة متفرعة منهما. اما الثاني، فيقول قادته إنه اكثر اعتدالاً واكثر اعترافاً بالعصر. وقد يكون ذلك صحيحاً. لكن محادثات عدة بين بعضهم، وخصوصاً في مصر، وبين باحثين غربيين اظهر الاعتدال. لكنه اظهر في الوقت نفسه غموضاً في الموقف من قضايا عدة الأمر الذي أوحى بوجود اجندات اخرى معينة. فضلاً عن أن ظلم الانظمة لـquot;الاخوانquot; بعد استعمالهم اياهم قد يعيدهم الى التطرف. علماً انه تسبَّب بتكوُّن جماعات ومنظمات مماثلة لـquot;القاعدةquot; على أطراف quot;الإخوانquot; وربما داخلها.
كيف يمكن حل هذا الموضوع؟
القمع ليس حلاً. والعلمانية ليست حلاً مقبولاً من المسلمين، والديموقراطية الغربية مئة في المئة ليست الحل الامثل. وما قد يكون الحل في رأي عدد من المفكرين هو اعطاء الأنظمة العربية والإسلامية quot;الاخوانquot; حرية رسمية في العمل ضمن القوانين المرعية. والوهَّابية تعمل اساساً من ضمن الانظمة المعنية الأخرى. وبذلك يتنافس الاسلامان quot;الاخوانيquot; وquot;الوهابيquot; ولا يتقاتلان. وربما يؤدي ذلك الى هدوء واستقرار أو يفتح الطريق الى وضع جديد، أو يؤسّس لحرب ناجحة من الإسلاميين ضد المتشددين التكفيريين العنفيين. وما حصل في تركيا العلمانية من اعطاء أحزابها الاسلامية (الاخوانية اساساً) الحرية المطلوبة، كرّس اعتدال هذه الاحزاب، وتجذُّر ايمانها بالديموقراطية والتنوع. وهذا ما يأمل اصحاب نظرية التنافس المشار اليها في حصوله في العالمين العربي والاسلامي.
هل يحصل ذلك؟ لا جواب عن هذا السؤال. لكن الشكوك كثيرة. ودوافعها كثيرة ابرزها ان نظام تركيا كان علمانياً وديموقراطياً في الحد الأدنى رغم quot;العسكرةquot; الواضحة فيه، ولم يكن نظام الحزب الواحد او القائد الواحد أو المذهب الواحد أو المعتقد الواحد. وفي انظمة كهذه ربما يستحيل توقُّع خطوات تُسهِّل تنافساً قد يفتح الطريق امام الحرية والديموقراطية والاستقرار في آن واحد.
في النهاية، أتقدم بالاعتذار من القراء لأنني خضت اليوم مجال التنظير، وانا لست منظراً فضلاً عن انني تركت التنظير لزملائي الكثيرين داخل quot;النهارquot; وخارجها. لكن في غمرة quot;الملغوصةquot; التي يعيشها لبنان اليوم رأيت ان دفع الناس الى استعمال عقولهم افضل من دفعهم الى الالتفات الى غرائزهم. وهو ما يحصل الآن.