قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

سمير عطا الله

مهما ادعيت القرب، ومهما شعرت حقا بالاهتمام الوطني أو القومي أو على الأقل، الإنساني، فإني أظل في تونس معلقا. وكذلك في السودان. لكن في لبنان لست معلقا. في لبنان أنا خائف مثل جميع الذين يقرون بخوفهم والذين يكابرون. مثل الذين خافوا عام 1958 عندما انقسم المقاتلون لبضعة أشهر، ومثل الذين خافوا عام 1975 عندما استمرت الحرب لسبع عشرة سنة. خائف ليس فقط على أهلي وأصدقائي، بل على أولئك الذين أعرف وجوههم من بعيد. على العجائز الذين أعرف أنهم لا يقدرون على الهرب إلى مكان، وعلى الشبان الذين ولدوا وهم يبحثون عن أي مكان يهاجرون إليه.

فعندما ولدوا، ثمة من قال لهم، غير القابلة القانونية، في البيت أو في الحي أو في المدرسة: إن هذا بلد معلق على حبل الصرة، فماذا جئتم تفعلون؟ وهذا بلد تودي به نسمة لا عاصفة. وهذا بلد لا يملك فيه أصحابه سوى صك الملكية وحق المصير والتصرف والبقاء والهناء والاستقرار والاستمرار، هو ملك الآخرين.

لست أدعي الشجاعة ولا الصمود. لم تعلمني السنوات الماضية سوى الخوف. وعندما قرأت أن أحداث تونس بدأت بعربة خضار، شعرت بخوف شديد. نحن، اعتدنا أن تكون عربة الخضار من طبقتين، المكشوفة منهما عليها برتقال وتفاح وملفوف. والتحتانية، فيها رشاش للضرورة وغدرات الزمان. ذلك أن بائع الخضار، مثل عربته، مزدوج هو أيضا. يجني الرغيف من مبيعات الطبقة العليا، ويهدد حياة الآخرين بمخبوء الطبقة السفلى.

وهذه الازدواجية في عربات خضار لبنان تخيف، ولا تطمئن. فما هذه الحياة إن كنت لا تعرف متى تكون البرتقالة برتقالة ومتى تكون قشرتها برتقالا وحشوها موتا وخرابا؟ لست معلقا في شؤون لبنان. أنا مثل التونسي في تونس، والسوداني في السودان. لا أسمع الأخبار لكي أحلل المواقف، بل لكي أحاول الاطمئنان على أهلي وأصدقائي والوجوه التي أراها كل يوم وألقي على أصحابها التحية من دون أن يعرفوا من أنا أو أن أعرف من هم. لكنني أعرف من ملامحهم ومن ملابسهم أنهم لا يستطيعون أن يتحملوا قلقا أو خوفا أو رعبا، أكثر مما أخيفوا حتى اليوم، وأعرف من وجوههم أنهم لا يأملون بشيء ولا يثقون بأحد. وأعرف أنهم في دواخل نفوسهم يشعرون بذل بارد، وهم يحاولون البحث عن بارقة في أمائر وزير خارجية تركيا، السيد أوغلو، أو رئيس وزراء قطر.