قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حسين العودات

تنتقل السلطة في عصرنا إما بالوراثة في الأنظمة الملكية، أو بالانتخاب (صناديق الاقتراع) أو بالغلبة والقهر (الانقلابات العسكرية) في الأنظمة الجمهورية، وهذا ما أكده المسار التاريخي للدول خلال السبعين سنة الأولى من القرن العشرين، إلا أن العقود الأربعة الماضية شهدت انتقالاً للسلطة بطريق مستحدثة هي الانتفاضات الشعبية، التي لا تقودها أحزاب أو زعماء (كارزميين) أو نخب أو متنفذين، وهي انتفاضات غير منظمة ولا أهداف شاملة لها أو برامج واضحة، ولا أعرف لماذا لم يهتم المنظرون السياسيون أو الأيديولوجيون أو المفكرون بدراسة هذه الظاهرة، وتأطيرها وتعميدها أسلوباً جديداً لتولي السلطة. صباح أحد أيام ‬1974 في أديس أبابا، ملأ سائق (تاكسي) خزان سيارته بالوقود، ودفع الثمن لعامل محطة المحروقات، فطلب منه هذا ضعف المبلغ المعهود، ولما استفسر السائق عن سبب مضاعفة السعر، أبلغه أن الحكومة ضاعفت الأسعار ليلاً، فأصيب السائق بنوية هيسترية، وأخذ يصرخ في الشارع ويمزق ثيابه ويشكو كيف يمكن أن يعيل أسرته أمام هذا الغلاء، وقبل أن تنتهي نوبته الهيسترية كان عدد المتظاهرين الذين يتبعونه تجاوز الآلاف ثم عشرات الآلاف، ولم يكن يقودهم حزب أو فئة أو تنظيم، ودامت المظاهرات عشرة أيام حتى استغل العسكر الانتفاضة فاستولوا على السلطة وأعدموا الإمبراطور هيلا سيلاسي. وعام ‬1987 صدمت سيارة يقودها مستوطن إسرائيلي عدداً من مواطني غزة، فاشتعلت الانتفاضة الأولى في جميع مدن وقرى فلسطين، وأربكت سلطات الاحتلال، حتى أن إسحق رابين تمنى أن يستيقظ يوما ويجد غزة قد غرقت في البحر، وبقيت الانتفاضة مشتعلة دون حزب أو تنظيم أو قيادة، إلى أن تدخلت القيادة الفلسطينية وتوصلت مع العدو الإسرائيلي إلى اتفاقية أوسلو، فخمدت الانتفاضة الأولى وطويت صفحتها.

وفي عام ‬1989، دعا الرئيس الروماني تشاوشيسكو (الجماهير) بواسطة حزبه وأجهزة أمنه والمنظمات النقابية والشعبية التابعة للنظام، فجمع عشرات الألوف كما هي العادة، وبدأ الرئيس يلقي كلمة حماسية في الجموع، وما أن وصل إلى منتصف كلمته حتى صرخ أحد المتجمهرين بهتاف ضد الرئيس وسياساته، فانقلبت (الجماهير) المتلقية خلال دقائق وبدأت انتفاضة عنيفة دون حزب يقودها، أو تنظيم سياسي، لا سري ولا علني، وما أن جاء المساء حتى سقط النظام ثم أعدم الرئيس وزوجته، وبعدها قرر الشعب الروماني أن يتبنى نظاماً جديداً، وأسس أحزاباً وتكتلات سياسية جديدة، وقفز على السلطة بعض قادة الحزب الحاكم، ومغامرون وصيادو الفرص.

وعام ‬1989 أيضاً خرج عشرات المواطنين في براغ (تشيكوسلوفاكيا) متظاهرين ضد النظام فأطلق جندي النار عليهم وقتل أحدهم فالتهبت المدينة، وخلال ساعات بلغ عدد المتظاهرين عشرات الألوف، دون حزب أو تنظيم يقودهم، ثم استعاروا بعض المقاعد والطاولات من المحلات التجارية المجاورة، وبنوا (منصة للخطابة) وأخذوا يهاجمون النظام، وصدرت عن أحد الخطباء عبارة (نحن حزب المنصة) وما لبثوا أن اسقطوا النظام واستلم (حزب المنصة) الحكم، ثم تدبروا أمورهم فيما بعد وشكلوا أحزاباً وأسسوا نظاماً سياسياً جديداً.

عام ‬1979 في إيران، كان نظام الشاهنشاه يملك المال والسلاح (كان جيشه أقوى قوة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل) كما كان يعتمد على السافاك (الجهاز الأمني سيء الصيت)، ثم انتفضت جماهير الشعوب الإيرانية عزلاء بدون سلاح، وما هي إلا أيام حتى رحل الشاه هارباً، تاركاً بلاده لجماهير لا يقودها حزب ولا تنظيم، إلى أن سد الخميني ورجال الدين الفراغ وتولوا السلطة.

وفي الشهر الحالي انتفض التونسيون وحصل ما يعرفه القراء.

هناك عشرات الأمثلة عن مثل هذه الانتفاضات في دول العالم المختلفة، التي استطاعت الجماهير الشعبية العزلاء من خلالها، أن تسقط الأنظمة، دون أن تكون لها أحزابها أو قياداتها أو برامجها، وأشير بهذا المجال إلى عدة مؤشرات:

المؤشر الأول هو أن هذه الأنظمة التي جرى الانتفاض ضدها وسقطت تتقاسم عوامل مشتركة، على رأسها أنها لم تستطع أن تعالج قضايا الغلاء والفقر والجوع في مجتمعاتها، ولم تشغل نفسها باحتياجات الناس وهمومهم، كما أنها جميعها أنظمة قمعية صادرت الحريات واستسهلت الاعتقال، وغابت عنها الديمقراطية وألغت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، كما تجاهلت المساواة وتكافؤ الفرص، ورفضت تداول السلطة، وقبل هذا وبعده استشرى الفساد في جسم هذه الأنظمة وإداراتها وسلطاتها ومسؤوليها، حتى كأن مهمتهم هي جمع المال وحماية النهابين من أقربائهم وأصدقائهم، وبالتالي نضجت الظروف الموضوعية للهبات الشعبية التي لم تكن تنتظر سوى شرارة للاشتعال، ولذلك كانت جميعها انتفاضات مفاحئة للأنظمة وللناس وللعالم الخارجي على حد سواء.

أما المؤشر الثاني فهو أن مثل هذه الأنظمة استبعدت أحزاب المعارضة، وعزلتها، وسجنت ناشطيها وقادتها وحرمتها من النشاط في وسطها الشعبي، وعندما قامت الانتفاضات لم تجد من يقودها، كما لم تجد الأنظمة القائمة من تتفاوض معه، لأن الانتفاضات بدون قيادات، وأحزاب المعارضة محاصرة أو ملاحقة، مما ترك فراغاً أدى إلى عمليات عنفية من جهة وقفز فئات أخرى على السلطة (وهي لا تستحقها) وإملاء الفراغ من جهة أخرى. أما المؤشر الثالث فهو الظاهرة الجديدة التي يتصف بها عصرنا وأعني ثورة الاتصال، فقد كان (الفيسبوك وإلإيميل والأنترنيت) وغيرها وسيلة فعالة لنقل المعلومة بين المنتفضين وتوجيههم والقيام بدور الأحزاب الغائبة، ولعل هذا المؤشر يفتح أعين بعض الأنظمة التي تقمع الحريات الصحفية والإعلامية، ويقنعها أن عملها هو عبث لا يفيد، لأن وهم الأنظمة بجدوى حجب المواقع الإلكترونية أو التضييق على حرية وسائل الإعلام هو مجرد وهم وعمل بدون فعالية، فمثلما يحجبون بسهولة يستطيع المتلقي إلغاء الحجب بسهولة أيضاً. إن ما جرى في تونس، وفي البلدان الأخرى التي أشرت إليها، جدير بالدراسة وأخذ العبر، ليس فقط من قبل المنظرين السياسيين والأيديولوجيين، وإنما أيضاً وأساساً من الأنظمة السياسية في عالمنا النامي.