قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


خيرالله خيرالله

من الآن، يمكن القول أن أحداث تونس لم تكن سوى بداية للمفاجآت التي تبدو السنة 2011 حبلى بها... إنها مجرد بداية. ليست خريطة العالم العربي وحدها التي تتغير ويعاد رسمها، بل إن التغيير يشمل طبيعة الأنظمة في دول المنطقة. من كان يصدّق أن نظاماً مثل نظام الرئيس زين العابدين بن علي يمكن أن يسقط بهذه السهولة؟ الجواب أن قلة فقط كانت تعتقد أن الأسس التي يقوم عليها النظام هشة وأن الآلة الامنية التي كان يعتمد عليها ليست سوى نمر من ورق. في الواقع، خذل الحزب الحاكم (التجمع الدستوري)، الذي كان يضم ما يزيد على مليونين ونصف مليون عضو، بن علي. كذلك رفض الجيش حماية رئيس الجمهورية لمجرد أنه رئيس للدولة وفضل الوقوف على الحياد بدل إطلاق النار على المتظاهرين. انحازت المؤسسة العسكرية الى التغيير بعدما تورط المسؤول الأوّل في القمع. من الصعب التكهن بمستقبل تونس وما إذا كانت الثورة الشعبية الحقيقية التي شهدها البلد ستلد نظاماً ديموقراطياً متطوراً مع تعددية حزبية، أم أن الأوضاع ستتجه الى مزيد من الفوضى يستغلها الإسلاميون أو ديكتاتور جديد يخرج من الجيش أو من المؤسسة الأمنية التي أنجبت زين العابدين بن علي؟
في كل الأحوال، تبدو تونس عند مفترق طرق. الأكيد أنه ستكون للأحداث التي شهدتها انعكاسات على دول الجوار وحتى على العالم العربي كله. في الأشهر القليلة المقبلة، سيواجه أكثر من نظام عربي أو غير عربي في المنطقة تحديات من نوع جديد، مرتبطة بتفاقم الازمة المعيشية والاجتماعية وزيادة التطرف الديني فضلاً عن بروز النزعات الانفصالية وخروج الغرائز المذهبية والطائفية الى السطح. يشكل السودان مثلاً حياً على ما يمكن أن يحل في مرحلة ما بهذه الدولة العربية أو غير العربية أو تلك. صار انفصال جنوب السودان واقعاً. أصبحت هناك دولة جديدة في افريقيا. هذه الدولة ستكون أقرب الى أوغندا وكينيا من أي دولة عربية، على الرغم من أن مشاكل كثيرة ستظل عالقة بينها وبين السودان. في مقدم هذه المشاكل مستقبل منطقة ابيي الغنية بالنفط...
تكمن أهمية المشهد التونسي في أن إعادة رسم خريطة دول المنطقة تترافق مع تغيير في طبيعة الأنظمة. هناك بكل بساطة تغيير في العمق يشهده العالم العربي وبعض دول الجوار. يتبين كل يوم أن العالم العربي لن يشفى سريعاً من الخلل في التوازن الذي تعرض له في اللحظة التي تغيّر فيها الوضع في العراق. بعد أقلّ من ثماني سنوات على الاجتياح الأميركي للعراق، ما زلنا نشهد التغيير تلو الآخر. من نتائج ما حصل في العراق، استفاقة الغرائز المذهبية التي ليس ما يشير الى أنها ستخمد قريبا. ما تعرضت له مواكب زوار كربلاء في أربعين الحسين، قبل أيام قليلة، يشكل دليلاً على كمية الحقد في قلوب عراقيين أعماهم التعصب المذهبي.
في النهاية، علينا أن نتعود على عالم عربي جديد. ما بدأ في تونس باحتجاج لبائع متجول، احرق نفسه بسبب اعتداء الشرطة عليه، كشف أن الجمر تحت الرماد في كل مكان. كانت تونس تعيش في ظل نظام عائلي أحكم سيطرته على كل مرافق الحياة. ولكن بغض النظر عن النظام وتجاوزاته، حققت تونس، بلغة الأرقام، قفزات كبيرة الى أمام في ظل حكم بن علي. مع ذلك كانت هناك رغبة في التغيير لدى المواطن العادي التائق الى حياة كريمة في ظل دولة القانون. في التاريخ الحديث للمنطقة، حصل تغييران مشابهان للثورة التونسية. كان الأول في لبنان حيث أسقط الناس العاديون الرئيس بشارة الخوري في العام 1952 بعدما مدّد ولايته. كان بشارة الخوري أول رئيس للبنان بعد الاستقلال، لكنه قرر خرق الدستور والحصول على ولاية ثانية. أسقطه إضراب عام. وفي العام 1964، أسقط السودانيون النظام العسكري الذي أقامه الفريق ابراهيم عبود. نزلوا بالآلاف الى شوارع الخرطوم وطردوا العسكر من السلطة وهم يصيحون quot;الى الثكنات يا حشراتquot;. للمرة الثالثة في التاريخ العربي الحديث تحصل ثورة من هذا النوع. واجه التونسيون آلة القمع بصدورهم العارية. ماذا يعني ذلك؟ انه يعني أن هناك تغييراً أساسياً في المنطقة كلها. تونس ليست آخر المفاجآت. كل ما هو مهترئ في المنطقة قد يزول عاجلاً أم آجلاً. قبل الحدث التونسي، كان التركيز على السودان والانفصال وعلى ما آل اليه الوضع في العراق حيث يبني الأكراد دولتهم بهدوء وتؤدة وحيث تتابع إيران اختراقها لمؤسسات البلد ونسيجه الاجتماعي بفضل الأميركيين أولاً وأخيراً!
إذا جمعنا بين كل ما تشهده المنطقة من أحداث، بدءاً بتونس وصولا الى العراق ولبنان خصوصاً، مروراً بتفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية، مع بداية السنة الجديدة، وانفصال جنوب السودان، يبدو واضحاً أن الشرق الاوسط يغلي. الى أين سيصل به الغليان؟ الواضح أن هناك لاعبين جدداً في المنطقة، إضافة الى اللاعب الإسرائيلي القديم الطامح الى ابتلاع جزء من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية طبعاً. هناك إيران وهناك تركيا. ليس بعيداً اليوم الذي سنكتشف فيه أن إيران لاعب أساسي في تونس، تماماً كما الحال في لبنان وأن لا تسوية نهائية في العراق من دون أخذ المصالح التركية في الاعتبار.
تبدو تونس تعبيراً عن حال جديدة في المنطقة كلها تختزل عجز الانظمة المستبدة عن التعاطي مع المتغيرات. تونس بداية وليست نهاية!