علي حمادة

طويت صفحة العقيد معمر القذافي، وبعد أربعة عقود ونيّف انتهت رحلة الرجل مع السلطة برصاصتين وبضع ركلات من ثوار ليبيا، وقد أعماهم الغضب والمرارة. هذه هي نهاية الطغاة الدمويين. فرحلة القذافي مع القتل ما بدأت مطلع هذا العام، بل انها سلكت كل الطرق والوسائل والمفاصل من quot;الفاتح من سبتمبرquot; وحتى اليوم الاخير من عمره. مات القذافي ومعه عدد من ابنائه، تماماً كما عاش في بحر من الدماء، وكثير من الاذلال. وعلى نقيض كثيرين كانوا فضلوا لو تم اعتقاله وسوقه ليحاكم امام العالم، نقول ان نهاية معمر القذافي مقتولاً كانت افضل من جميع النواحي، ولا سيما سياسياً، لان ليبيا تحتاج اكثر ما تحتاج الى طي صفحة القذافي واولاده وعائلته. والمحاكمة لو حصلت لمنعت البلاد من الانتقال الى عصر ما بعد القذافي.
ان العقيد معمر القذافي هو ديكتاتور من طينة خاصة مختلفة عن طينة زين العابدين بن علي، او الرئيس السابق حسني مبارك. انه ينتمي الى فئة الطغاة التي كانت في العراق قبل الغزو الاميركي، او التي كانت ولا تزال جاثمة على صدور السوريين، من الرئيس حافظ الاسد وصولاً الى ابنه الرئيس بشار الاسد. هذه الفئة من الطغاة بنت وتبني حكمها وسلطتها على الدم، ومراكمة المجازر، والمظالم الجماعية من كل نواع: بدءاً من الاعتقال، وصولاً الى القتل، مروراً بالتعذيب، والترويع، والاغتصاب، وتدمير الممتلكات، وغيرها من الطرق التي يحفل بها تاريخا العراق ايام صدام حسين، وسوريا في ظل حكم الرئيسين الاسد الاب والابن.
كان لا بد من طي صفحة المرحلة بشطب القذافي نهائياً من المعادلة. من هنا يمكن تفهم قيام الثوار باعدامه رغم انه استسلم. ونميل الى الاعتقاد ان القيادة السياسية المباشرة للمجموعة التي اعدمت القذافي ادركت الاخطار المترتبة على بقاء القذافي حياً، فأعطت التعليمات بقتله فوراً، وانهاء عصر اسود في اسرع ما يمكن. فالمهم اليوم هو الانطلاق بورشة بناء ليبيا الجديدة من دون ان يبقى ظل القذافي مهيمناً على الحياة الوطنية.
يقال ان نهاية القذافي هي درس لكل الطغاة ينبغي ان يتمعنوا فيه كثيرا. والحال ان الطغاة لا يتعلمون من نهاية طغاة آخرين، لكأن غشاوة سميكة تلف أبصارهم وعقولهم وتحول دونهم والاعتبار. يصل الامر بالطاغية ولا سيما وريثاً ان تصير حيوات الناس ومصائرهم شبيهة بألعاب الاطفال، يلعبون بها ويفرحون ثم يحطمونها متى شعروا انها استعصت عليهم او انها ستنتزع منهم. هذا دأب هؤلاء وما من شيء يبدل في سلوكهم.
من هنا يقين الكثيرين ان نهاية القذافي لن تكون مناسبة لهؤلاء كي يعتبروا، بل انهم سيبقون متعلقين بوهم انهم قادرون على التفلت من حكم التاريخ وقضائه وحتميته. جيد، فليتمسكوا بأوهامهم فهي أسرع الطرق الى النهاية وطي الصفحات السود من تاريخ بلد. يصح القول في القذافي وفيهم: السابقون واللاحقون!