أحمد يوسف أحمد


منذ نجح الشعب الليبي في إسقاط القذافي وحكمه بدأت علامات الاستفهام تتكاثر حول مصير نظامي الحكم في البلدين اللذين تأججت فيهما الحركات الثورية والاحتجاجية منذ شهور عدة، وهما اليمن وسوريا، وخاصة أن هذين النظامين قد أظهرا في مواجهة هذه الحركات إصراراً لا يلين على عدم تقديم أي تنازلات، اللهم إلا بعض التنازلات الشكلية التي كان قوامها وعوداً بالإصلاح وقرارات غير محددة في هذا الاتجاه بصفة عامة لم يُكتب لأي منها أن يجد طريقه إلى إصلاح سياسي حقيقي يقنع المحتجين. غير أن النظامين أقدما في الأيام الأخيرة على سلسلة من الخطوات يمكن أن تُفهم من ناحية على أنها بداية لتغيير الموقف تجاه حركات الاحتجاج في كل منهما، على أنها يمكن أن يُنظر إليها من ناحية أخرى كمحض مناورة يقدم النظامان عليها تخفيفاً للضغوط العربية والإقليمية والعالمية، وكسباً للوقت لإعادة ترتيب الصفوف تمهيداً لمرحلة أعنف في مواجهة التحدي الجماهيري.

في اليمن نعلم جميعاً بأمر المبادرة الخليجية، وما تضمنته من حل للأزمة اليمنية بدا متوازناً لدى البعض ومنحازاً للنظام القائم لدى آخرين، ويمكن أن نضيف في هذا السياق أن المبادرة كانت تهدف إلى إحداث إصلاح quot;محسوبquot; لا يمس جوهر الاستقرار في اليمن، لأن عدم الاستقرار في هذا البلد يمكن أن تكون له تداعيات ضارة على جيرانه. غير أننا نعلم من ناحية أخرى عدد المناورات التي قام بها النظام لتفادي تطبيق المبادرة، خاصة أنها تفضي في النهاية إلى تخلي الرئيس اليمني عن منصبه لصالح نائبه، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتشكيل حكومة برئاسة واحد من زعماء المعارضة. وكان لافتاً أن الرئيس اليمني حتى بعد تعرضه لمحاولة اغتيال كادت تنجح، وتركت فيه من الحروق والجروح ما تطلب البقاء شهورًا في السعودية للعلاج قد عاد فجأة إلى صنعاء، وبدأ يشوه المعارضة من جديد ويهددها ويتوعدها.

غير أن الموقف بدا وكأنه قد تغير مع مطلع هذا الشهر، فقد أعلن الرئيس اليمني عدداً من المقترحات لإنهاء الأزمة، والمضي في توقيع المبادرة الخليجية وتنفيذ آليتها الزمنية، وتضمنت مقترحاته هذه نقل صلاحياته إلى نائبه الفريق عبد ربه منصور هادي بما فيها توقيع المبادرة وآلية تنفيذها من دون تعديلات جوهرية، على أن يتم التوقيع في غضون أسبوعين، ويتولى نائب الرئيس تكليف مرشح المعارضة بتشكيل حكومة توافق وطني، وإصدار مرسوم رئاسي بدعوة الناخبين إلى انتخابات رئاسية مبكرة يتم تحديد موعد إجرائها بالتوافق على ألا يتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ توقيع المبادرة. كما تضمنت المقترحات تشكيل الحكومة الجديدة لجنة عسكرية لإعادة هيكلة الجيش.

أما على الصعيد السوري فقد نُقل عن مصادر الجامعة العربية ورئيس اللجنة العربية المكلفة بالبحث عن مخرج من الأزمة السورية أن سوريا قد قبلت مبادرة الجامعة العربية، وتنص هذه المبادرة على وقف العنف فوراً ضد المدنيين، وسحب قوات الجيش والأمن من المدن، والإفراج عن المعتقلين، والدخول في حوار مع المعارضة خلال أسبوعين، كما أعلن الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني عن موافقة دمشق على السماح لمنظمات الجامعة العربية ووسائل الإعلام الدولية بدخول سوريا والتنقل فيها بكل حرية لرصد ما يدور فيها، كما تنص مبادرة الجامعة العربية على أنه مع إحراز تقدم على صعيد تنفيذ الحكومة السورية تعهداتها تباشر اللجنة الوزارية العربية الحوار مع الحكومة والمعارضة السوريتين في غضون أسبوعين للإعداد لمؤتمر وطني.

على صعيد المعارضة كان هناك تشكيك في نوايا النظامين القائمين، وانقسام ما بين مرحب متحفظ وموافق بحذر. في اليمن كان ترحيب أحزاب quot;اللقاء المشتركquot; التي تعبر عن المعارضة quot;الكلاسيكيةquot; واضحاً، وإن لم تعطِ موافقتها النهائية على المقترحات سعياً إلى مزيد من التشاور بين صفوفها، ولكن ممثلي ثورة الشباب لم يروا في مقترحات الرئيس اليمني لإنهاء الأزمة إلا مجرد مناورة جديدة من مناورات النظام، ولفت بعضهم إلى أن نائب الرئيس الذي يفترض أن تُنقل إليه صلاحيات رئيس الجمهورية موجود حاليّاً في الولايات المتحدة لمدة غير محددة، واختُلف في تحديد سبب هذا الغياب ما بين أٍسباب صحية ومرض سياسي نتيجة عدم رضا الرئيس عن أدائه أثناء رحلته العلاجية للسعودية، فكيف يمكن اتخاذ الخطوة الأولى في مقترحات الرئيس والحال كذلك؟

أما في سوريا فقد اعتبرت بعض دوائر المعارضة أن وقف العنف تجاه المدنيين -إن حدث- يعد خطوة إيجابية بغض النظر عن نجاح المبادرة من عدمه، ولكن الاعتراض كان واضحاً من قبل ممثلي quot;المجلس الوطني السوريquot; الذي يفترض أنه يمثل الثورة على عدم اعتراف الجامعة بالمجلس (وهو اعتراض في غير موضعه، لأن الجامعة العربية لا تستطيع التعامل ببساطة مع المجلس الذي يسعى إلى إسقاط الحكومة السورية، وإلا خالفت الجامعة ميثاقها). ومن ناحية أخرى فإن الصراع بين الحكومة ومعارضيها في سوريا قد استفحل وشهد أنهاراً من الدماء تبرر إصرار المعارضة على رحيل النظام وليس التسوية معه.

إن السؤال الأهم في كل ما سبق يتعلق بصدق نية الحكومتين اليمنية والسورية في تحركاتهما الأخيرة، وهي مسألة شائكة ومعقدة بحكم ما نعرفه عن درجة المناورة التي ميزت تحركاتهما في الآونة الأخيرة، غير أن ثمة فارقاً مهمّاً في تقديري بين الحالتين اليمنية والسورية، ذلك أن مقترحات الرئيس اليمني إذا أمعنّا النظر فيها لن تؤدي بالضرورة إلى أي تغيير في النظام، وإنما إلى مجرد تجميد سلطات رئيس الجمهورية إلى حين إكمال تنفيذ هذه المقترحات. ومن المؤكد أن النظام الحاكم في اليمن سيعمل أقصى ما في وسعه لإعادة إنتاجه وعدم السماح للقوى المعارضة بتولي الحكم أو المشاركة فيه، ولذلك فإن المقترحات الأخيرة للرئيس اليمني يمكن أن تمثل إنقاذاً لنظامه ولو على المدى القصير وربما المتوسط.

أما سوريا فإن الوضع فيها أكثر تعقيداً دون شك، لأن تنفيذ بنود مبادرة الجامعة يمثل في حد ذاته انتصاراً ولو رمزيّاً للمعارضة، على الأقل لأن كافة الإجراءات المطلوبة من الحكومة السورية تعمل لمصلحة المحتجين: الوقف الفوري للعنف ضدهم، سحب قوات الجيش والأمن من المدن، الإفراج عن المعتقلين وغير ذلك مما تضمنته المبادرة، ولكن المعضلة الحقيقية تكمن في الحوار الذي تأمل الحكومة السورية دون شك في أن يفضي إلى خطوات إصلاحية لا تمس جوهر النظام، فيما تعتبر المعارضة أن حواراً لا يبدأ بتأكيد مبدأ إسقاط النظام لن يكون مجديّاً، وهي فجوة هائلة لا يدري المرء كيف يمكن لحوار مخضب بالدماء على هذا النحو أن يصل إلى كلمة سواء.

ستكون الأيام القادمة حاسمة دون شك بخصوص الأمل في القيام بإصلاحات حقيقية في النظامين اليمني والسوري، لأنها سوف تظهر مدى جدية الحكومتين في التوصل إلى تسوية ومدى استعداد المعارضة لقبول مبدأ التسوية أصلاً، ومن الحقيقي أن عوامل التشاؤم تغلب عوامل التفاؤل حتى الآن، ولكن الأمل يبقى قائماً في أن تؤدي الضغوط الداخلية والعربية إلى تغيير حقيقي في مسلك النظامين.