راجح الخوري

هل علق quot;دومينو الثورة العربيةquot; في الرمال الدموية الليبية المتحركة؟
هذا السؤال يتزايد إلحاحاً مع استمرار حال التردّد الدولي في مجلس الأمن وعواصم القرار الكبرى، حيال المذبحة التي يتمادى النظام القمعي المتوحش في تنفيذها جواً وبالدبابات والصواريخ ضد الثورة الليبية.
إن السؤال الذي تنطوي عليه معظم التعليقات في الصحف الأميركية والأوروبية الآن هو الذي يختصر بما كتبته quot;الغارديانquot; البريطانية قبل ايام:
quot;هل ينهي صمود القذافي الثورة العربيةquot;؟
في هذا السياق، لا حاجة بأحد الى عرض الموقف الدولي الفاضح مما يجري في ليبيا، من تمادٍ في دك أحياء المدنيين بصواريخ المقاتلات ومدافع الميدان. فمن المعروف والمخجل أيضاً أن حساب المصالح لم ينتهِ بعد بالنسبة الى رغبة الأقوياء في ضمان الحصول مستقبلاً على حصة من الكعكة النفطية الليبية.


***

لا يكفي أن تقول السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة سوزان رايس مثلاً quot;إن القذافي يذبح شعبهquot;، لأنه في الواقع لا يذبح الشعب الليبي فحسب، بل يذبح الأمل في أمكنة كثيرة من quot;العالمquot; العربي، والأخلاق في أمكنة كثيرة من العالم الغربي.
في ما يتعلق بذبح الامل ليس مبالغة القول إنه اذا غرزت عجلات الثورة الليبية وعلقت في الصحراء على تخوم العاصمة طرابلس، فإن ذلك سيرسل مؤشرات متناقضة لكنها في غاية الخطورة، إلى عواصم عربية كثيرة في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخها.
* أولاً: إن صمود القذافي لن يعني أنه سيرتدّ لذبح معارضيه فحسب، بل سيعني ايضاً أن الشعوب التي كانت تتحفّز للتحرك ضدّ الديكتاتوريات وأنظمة القمع والترويع والفساد في كثير من دول المنطقة العربية، ستعدُّ الى العشرة لا بل الى المئة، وسيضربها اليأس بدلاً من الأمل وهي تراقب صمت العالم وتقاعسه عن دعم الليبيين، وهو ما قد يدفعها الى الاستسلام لواقعها المأسوي الذي تعيش فيه تحت حكم أنظمة البطش والترهيب.
* ثانياً: ان نجاح الديكتاتور الليبي في سحق الثورة إذا تمكن من هذا، سيعطي نَفَساً وقوّة لكثير من الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة، التي تراهن على صمت العالم وتغاضيه إذا قامت هي أيضاً باحراق المطالبين بالتغيير بالحديد والنار.
وثمة من يتحدث عن مساعدات يتلقاها نظام القذافي من بعض العواصم القريبة من ليبيا والبعيدة عنها، وذلك لأن صموده بات يشكّل الآن خط الدفاع الأخير عن بعض هذه الأنظمة.
وإذا تمكن القذافي من الصمود ونجح في قمع الثورة وهو أمر ليس مرجحاً على الاطلاق، فإنه يكون قد دفن الثورة العربية كلها والمستقبل العربي كله في الرمال الليبية، ليس لأنه يكون قد نجح في وقف التغيير الذي تنتظره الأجيال العربية منذ نصف قرن فحسب، بل لأنه سيرسل إشارات مشجّعة الى بؤر quot;الثورة المضادةquot; في تونس وبنسبة أقوى وأخطر في مصر!


***

أما في ما يتعلق بذبح الأخلاق في العواصم الغربية، فإن كل ما قيل ويقال عن دعم الديموقراطية والحرية وحقوق الانسان، سيسقط مرّة جديدة كما يتساقط المدنيون تحت و ابل القصف القذافي المجنون.
وبإزاء التردّد والصمت والحديث عن مصاعب فرض حظر جوي على سلاح القذافي، ومع الاستمهال المعيب في واشنطن والأمم المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي، لمعرفة المسار الذي ترسمه عمليات القتال في ليبيا والى أي كفّة يمكن ان يميل، يتأكد مرّة جديدة أن كل ما قيل عن الرغبة في قيام الشرق الأوسط الديموقراطي، إنما هو من قبيل الترهات، فالمصالح الحيوية للغرب تقول:
دعهم في الاهتراء. دعهم في أنظمة الديكتاتورية والفساد. دعمهم في اليأس.
ففي وجود نظام ذئبي وشعب مستسلم كالنعاج، يمكن دائماً المصالح والسياسات أن تعبر الوديان السحيقة بين النظام والشعب، إذ يكفي السكوت عن الديكتاتور لتتأمن المصالح، ويكفي في هذا السياق أن نتذكر مدى تورّط الكثيرين من الزعماء مع القذافي الذي دفع سليفيو برلوسكوني الى تقبيل يده!
القذافي لا يقصف الليبيين وحدهم بالصواريخ، بل يقصف أيضاً أحلام الشعوب العربية واخلاق الديموقراطيات الغربية. ولكن من المبكر جداً القول إن الثورة غرزت فعلاً في الرمال الليبية!