قاسم حسين

في حلقةٍ أخيرةٍ أدارها المذيع المتمكن محمد كريشان، التقى بأشهر كاتب قومي على مستوى العالم العربي... محمد حسنين هيكل.

كانت الحلقة مخصصةً لما يجري من احتجاجاتٍ وثوراتٍ شعبيةٍ في عددٍ من الدول العربية، ولأن الوقت كان محدوداً، فقد تكلم الرجل باختصار شديد.

تكلم عن مصر وتونس، وعن الأموال المسروقة والمنهوبة من ثروات الشعبين الشقيقين، وما تواجهها عملية استرجاعها من صعوبات. وحين تم التحقيق معه بشأن ما نشره من معلومات عن ثروات حسني مبارك، ردَّ على المحقق بأن الأرقام منشورة في صحف عالمية كبرى وهناك تقارير دولية، وليست مهمتي تتبع مصادر ثروة مبارك، هذه مهمتكم! فأنا صحافي يهمني قارئي كما تهمني مصادري.

عند الحديث عن اليمن، أعرب عن قلقه على هذا البلد الشقيق من النزعات القبلية التي قد تودي به إلى هاوية الحرب الأهلية، فالمجتمع مازال قبلياً، مهما بدا من مظاهر تحضُّر وثقافة وشعر وأدب في المدن الكبرى.

بخصوص سورية، أعرب عن أهمية هذا البلد في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي الذي يمثل جداراً رفيعاً كما قال، فإذا سقط هذا البلد كما سقط العراق، سيكون هناك فراغٌ كبيرٌ ستعاني منه المنطقة. وعلى رغم ذلك فإن ما أسماه laquo;المعاندةraquo; وليس laquo;الممانعةraquo;، لا تبرر قمع الشعب السوري، فقد استمر الحزب في السلطة لأكثر مما يلزم بكثير. وكشف أن بشار الأسد دعاه لزيارة بلاده، إلا أنه امتنع لكي لا يبدو متناقضاً مع نفسه فيما يخص موقفه تجاه قضية التوريث في مصر.

هيكل صاحب تجربةٍ عريضةٍ، أتاح له قربه من صانع القرار المصري الالتقاء بكثير من الرؤساء والزعماء، وكتب عن عددٍ منهم في بعض كتبه مثل laquo;أحاديث في آسياraquo;، و laquo;زيارة جديدة للتاريخraquo;. إلا أن تجاربه مع الحكام العرب هي من نوع آخر، فقد ساق في الحلقة مثالاً على الخلافات المضحكة التي كانت تنشب بين معمر القذافي وأنور السادات. كما روى كيف أخبره القيادي الفلسطيني إياد خلف بطلب القذافي تصفية أحد زملائه، فنصحه هيكل بتركه وعدم الرد عليه!

كريشان سأل عن منطقة الخليج، وما قيل ويُقال عن عدم التغطية المنصفة لأحداثها، وهي تهمةٌ لـlaquo;الجزيرةraquo; نصيبٌ وافرٌ منها، فانتقد هيكل ما يقوم به البعض من استبدال خطر laquo;إسرائيلraquo; بإيران، والشيعة بالصهيونية.

حديث هيكل ليس عابراً ولا سطحياً، وإنما يكتب في صميم السياسة العربية والمصلحة القومية: laquo;إيران دولةٌ لها مطالبها ومصالحها، وإيران ليست ملاكاً، لكنْ عندنا شيطانٌ في قلب العالم العربي وهو (إسرائيل)raquo;. وأشار إلى الجهة الأخرى من الخريطة ليقدم شهادته إلى التاريخ: laquo;هناك اتفاقٌ جرى وأعطينا ضمانات للشاه وعملنا استفتاء، وأنا كنت هناك، 70 في المئة شيعة، وهم شيعة عرب، وصوَّتوا للعروبة والاستقلالraquo;.

هيكل أشار إلى وجود منطق مغلوط في العالم العربي بقوله: laquo;أنت ترفض مبدأ الاعتراف بالتنوع في المجتمع، وتُحكـِّم المنطق الضيق للمذهبية، نحن نتكلم عن وطن لكل مواطن، فمش معقول ألا تعطيهم حقوقهم. هناك مشكلة التفريغ في السكان، والخلل بين دول الخليج والدول المجاورة وخصوصاً الهند وباكستان، لكنهم لا يعيدون النظر في أوضاعهم، وأنا عندي تحفظ على تجمع دول الخليج... لابد أن تتأهب دول الخليج للتغيير، لأن التغييرات قادمة، ولابد من إصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وبصورة عاجلة، فدول الخليج ليست بمعزل عمَّا يجري في بقية الدول العربيةraquo;.

محمد حسنين هيكل أكبر كاتب قومي عربي، وهو ليس إسلامياً ولا ينتمي إلى طائفة أو مذهب ديني معيَّن، لكن بسبب صراحته، قد نشاهده مصلوباً قريباً، في إحدى حلقات المقاهي الشعبية التلفزيونية، فقد جفـَّف ريقنا... و laquo;نحن لسنا تلوحraquo;