قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

خيرالله خيرالله

هناك حكومة امر واقع في لبنان ولكن بالمعنى السلبي للكلمة. هذا الامر الواقع يفرضه السلاح غير الشرعي الذي لا سيطرة للدولة اللبنانية عليه. انها الدويلة المسلحة التي تفرض نفسها على الدولة اللبنانية مؤكدة مرة اخرى انها صاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في البلد. مجرد تشكيل مثل هذه الحكومة، التي تشبه كل شيء باستثناء رئيسها السيد نجيب ميقاتي، وهو رجل اعتدال وحوار وانفتاح اصلا، مؤشر خطير الى الاصرار الايراني- السوري على استخدام لبنان quot;ساحةquot; لا أكثر. في النهاية لا بدّ من التذكير بأنّ الحكومة تشكلت في ظرف دقيق يمرّ به النظام السوري الذي يواجه للمرة الاولى منذ قيامه في العام 1970 من القرن الماضي ثورة شعبية حقيقية يعتقد ان في استطاعته مواجهتها عن طريق القوة ولا شيء آخر غير القوة. منذ متى يمكن للقوة ان تنتصر على شعب يبحث عن كرامته وحريته؟!.
في الوقت ذاته، يتبين يوميا ان النظام في ايران، على الرغم من كل ما يتمتع به من دهاء وقدرة على المناورة والمتاجرة بالقضية الفلسطينية وتهديد الامن العربي وإثارة الغرائز المذهبية والتعاطي مع اسرائيل من دون التعاطي معها، على استعداد للذهاب بعيدا في الدفاع عن النظام السوري والمحافظة عليه لاسباب مرتبطة بالعلاقة الاستراتيجية بين الجانبين. من الواضح ان النظام في ايران لن يتردد في اقحام لبنان عبر ادواته وادوات الادوات التي يملكها في هذا الوطن الصغير في مشاكل ضخمة ستجرُّ عليه وعلى اهله الويلات. سيفعل ذلك، بعدما صار الوجود الايراني المسلح في لبنان بوابة للنفوذ السوري فيه. سيفعل ذلك في محاولة منه لانقاذ ما يمكن انقاذه في سوريا- النظام التي ستعني عودتها الى عروبتها الحضارية والى نظام ديموقراطي، الكثير بالنسبة الى استعادة الوطن الصغير، الذي اسمه لبنان، عافيته من جهة وإقامة علاقات صحية بين اعضاء جامعة الدول العربية من جهة اخرى.
ما حلّ ويحل بلبنان لم يكن ممكنا لولا السلاح غير الشرعي الذي يستخدم منذ العام 1969، تاريخ توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم الذي سمح للمقاتلين الفلسطينيين بشن عمليات على اسرائيل، في ضرب السيادة اللبنانية والصيغة اللبنانية والمجتمع اللبناني ومؤسسات الدولة. فالحكومة الحالية تندرج في سياق عملية التدمير المنظمة لمؤسسات الدولة وتكريس الارض اللبنانية quot;ساحةquot; تستخدم في عملية ابتزاز هذه الدولة العربية او غير العربية او تلك وتأكيد ان لبنان ورقة ايرانية- سورية لا اكثر.
لا شك ان هناك نقاط ضعف يعاني منها المجتمع اللبناني بسبب تركيبته الطائفية والمذهبية. لكن الاحداث اثبتت ان التركيبة ليست بالهشاشة التي يعتقدها بعضهم. فقد تبين مع مرور الوقت ان الصيغة اللبنانية عصية على الكسر بسبب حيوية المجتمع اللبناني والنظام شبه الديموقراطي المعتمد منذ ما قبل الاستقلال في العام 1943.
خلف السلاح الايراني السلاح الفلسطيني في لبنان. ما يجمع بين السلاحين غير الشرعيين وكل سلاح يرسل الى لبنان هو الاراضي السورية. لم يتوقف النظام السوري في اي وقت عن تسهيل وصول السلاح الى لبنان بغض النظر عن الجهة التي ستستخدمه ما دام الهدف جعل الفوضى تسود الاراضي اللبنانية. في مرحلة معيّنة، كانت الاراضي السورية الممر الاجباري للاسلحة المرسلة الى الميليشيات المسيحية في لبنان. كان النظام السوري في الوقت ذاته يسهل تمرير الاسلحة الى الفصائل الفلسطينية المختلفة!
كان المهم دائما اضعاف الدولة اللبنانية والجيش اللبناني. فبفضل السلاح، كانت quot;غزوة بيروتquot; في ايار من العام 2008. أثبت quot;حزب اللهquot; بعد تلك الغزوة انه قادر على السيطرة على العاصمة عسكريا ساعة يشاء وتأكيد انها ميناء ايراني على البحر المتوسط. صمد اهل بيروت ورفضوا الرضوخ للسلاح المذهبي، لكن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط انصاع للامر الواقع وانتقل الى مكان آخر مؤكدا انه ليس على استعداد لمواجهة السلاح وان الاولوية لحماية طائفته الصغيرة وقراها وبلداتها من غزوة جديدة للميليشيا الايرانية التي اسمها quot;حزب اللهquot;. لولا وليد جنبلاط واستسلامه للسلاح غير الشرعي، لما كانت اكثرية جديدة تفرض على اللبنانيين حكومة ترفضها الاكثرية الساحقة من اهل السنة واكثرية المسيحيين ومعظم الدروز وكل الشرفاء حقّا من ابناء الطائفة الشيعية الكريمة الذين يمتلكون حدا ادنى من الحس الحضاري العربي.
ما نشهده حاليا تكرار لمشهد قديم سئمه اللبنانيون ويطمحون الى التخلص منه الى الابد. ما كان ممكنا استعادة المشهد من دون السلاح غير الشرعي الذي عطّل الحياة السياسية في البلد. هل الحكومة الجديدة قادرة حتى على اثارة هذا الموضوع الاساسي الذي لا امل للبنان واللبنانيين بحياة افضل من دون علاج جذري له؟ المؤسف ان الحكومة اللبنانية الجديدة جاءت للتغطية على السلاح غير الشرعي. انها خطوة على طريق اعادة لبنان سنوات الى خلف وتأكيد ان قدر اللبنانيين العيش مع هذا السلاح الذي يهدد مستقبل ابنائهم. الى متى تستمر هذه الكذبة الكبيرة التي اسمها السلاح غير الشرعي في لبنان الذي يحميه شعار فضفاض خال من اي مضمون هو quot;المقاومةquot; احيانا وquot;الممانعةquot; احيانا اخرى؟ الجواب صعب لولا ان لكل كذبة، مهما كانت كبيرة، نهاية. هناك مشكلة في لبنان اسمها السلاح غير الشرعي. الى متى يستمر الهروب منها، وهل من مجال لتفادي طرح هذه المشكلة؟