هدى الحسيني



هناك مشكلتان في مصر: واحدة ظاهرة وغارقة فيها الأطراف كلها، من مجلس عسكري حاكم إلى أحزاب، خاصة الإسلامية، وأخرى تتفاعل يوميا وتمتد على مساحة مصر، وقليلون من المشتبكين حول كتابة الدستور يلتفتون إليها.

الأسبوع الماضي دعت جماعة إسلامية تعرف باسم laquo;الرابطة الشرعية للحقوق والإصلاحraquo;، من أجل حشد مليون رجل في 22 من الشهر الحالي احتجاجا على ما يعتبره كثيرون تدخلا من جانب المجلس العسكري الحاكم لإعادة كتابة الدستور.

جاءت هذه الدعوة بعد يوم واحد من انضمام هذه الجماعة إلى عدد من الجماعات الإسلامية الأخرى، بما في ذلك laquo;الإخوان المسلمونraquo; في التوقيع على إعلان ينتقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة للخطة التي أعلنها بهدف إنشاء قائمة laquo;فوق المبادئraquo;، التي ستكون بمثابة مجموعة من المبادئ التوجيهية للبرلمان المصري المقبل (أعلن عن هذه الخطة المتحدث باسم المجلس، اللواء محسن الفنجري).

من المثير للاهتمام أن كلام الفنجري جاء بمثابة إنذار للمحتجين الذين تستهدف المبادئ التوجيهية استرضاءهم. لكن في الوقت نفسه، فإن تصرف الفنجري يتماشى مع سياسة المجلس العسكري لتقسيم المعارضة، الأمر الذي سيساعد على ضمان الجيش الاحتفاظ بالسلطة، كما يهدف التحرك إلى وقف أي نفوذ للإسلاميين قد يمارسونه على العملية الدستورية عندما تجرى الانتخابات النيابية في الخريف المقبل.

من المتوقع أن تنال الأحزاب الإسلامية، وأبرزها laquo;حزب العدالة والحريةraquo; (الإخوان المسلمون)، أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات؛ لذلك فإن المبادئ التوجيهية تقلل على الأرجح من تأثيرها على عملية صياغة الدستور.

يعارض معظم الإسلاميين، فضلا عن عناصر أخرى من المجتمع المصري، أي خطط يضعها الجيش كمبادئ توجيهية لكتابة الدستور، لكن هم راضون؛ لأن الانتخابات ستجرى قبل كتابة الدستور.

لكن لوحظ أن النقاش حول laquo;الدستور أولاraquo; الذي ساعد على تنشيط حركة الاحتجاج بين الناشطين المؤيدين للديمقراطية، خفت حدته؛ إذ أدركت المجموعات التي أيدت هذه الفكرة أن فرص نجاحها في إقناع المجلس العسكري بالتنازل عن التدخل في صياغة الدستور كانت ضئيلة؛ لذلك فضلت التركيز على مطالب أكثر منالا مرتبطة بالعدالة الاجتماعية.

على كلٍّ، لوحظ أن laquo;الإخوان المسلمينraquo; لم يشجعوا زملاءهم على الانضمام إلى احتجاج 22 يوليو (تموز). وكان الإخوان حذرين، ولم يبدوا إلا معارضة طفيفة للجيش. أما المجلس العسكري فإنه يواصل سياسته الرامية إلى تقسيم المعارضة، وأظهرت الاعتصامات التي بدأت في 8 يوليو أن احتمال التظاهر قائم، وأن المظاهرات يمكن أن تعرقل عودة الحياة إلى طبيعتها في مصر، لكن ما يريح الجيش أن التخطيط لـlaquo;ثورة ثانيةraquo; من قبل متظاهري ميدان التحرير، كان أقل نجاحا من الجهود التي بُذلت في بداية هذه السنة. فوسط التفرعات الكثيرة للإسلاميين، وتنامي عدد الأطراف السلفية وإعطائها وضعا رسميا من قبل المجلس العسكري، والانشقاقات الزائدة داخل جماعة laquo;الإخوان المسلمينraquo;، يضمن للجيش أن بقاءه على رأس السلطة كونه المحرك الأساسي لها، لا يزال قويا.

ومع هذه الخلافات هناك مشكلة أخطر تواجه مصر وتدور حول الاقتصاد المصري ومتى سينهار بالكامل. وهذا ما لا تلتفت إليه المجموعات الإسلامية التي نصب أعينها الوصول إلى السلطة ولو على حساب انهيار مصر الدولة.

الخبراء الاقتصاديون يقولون إن الانهيار الاقتصادي سيصيب مصر عندما تتضايق السعودية ودول الخليج من دفع الفواتير لمصر وربما قبل ذلك.

في تقرير صحافي لوكالة أنباء الشرق الأوسط، جاء أن احتياطي البلاد من العملة الصعبة قد انخفض إلى 25 مليار دولار من 36 مليار دولار في شهر فبراير (شباط) الماضي، وهذا تراجع لافت قد يؤدي إلى الإفلاس نحو آخر عام 2011. البنك المركزي المصري نفى، بسرعة، التقرير وقال إن الاحتياطي بحدود 28 مليار دولار. والظاهر أن القروض الطارئة من الدول النفطية العربية تفسر هذا الفارق.

في يونيو (حزيران) الماضي رضخت الحكومة المصرية والمجلس العسكري لاعتراضات المحتجين ورفضا قرضا بقيمة 3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي؛ لأنه قد يكون مشروطا. بعد هذا الرفض أعلنت مصر عن حزمة 2.3 مليار دولار من دول الخليج، وعرضت السعودية، في الوقت نفسه، مبلغ 4 مليارات دولار.

لكن في قمة المصارف العربية، التي عقدت في روما الشهر الماضي، حذر وزير المالية الأردني من هروب رؤوس الأموال من الدول العربية وقال: laquo;هناك مبلغ 500 مليون دولار يغادر الدول العربية أسبوعياraquo;، على الرغم من أنه لم يسمِّ أي دولة.. إلا أن الخبراء الاقتصاديين أشاروا إلى مصر، وأن هروب الأموال منها، وبمعدل سنوي، يعادل تقريبا احتياطيات مصر المتبقية. وكانت الحكومة المصرية قد أبلغت المنظمات الدولية وحكومات الدول الـ20 الصناعية بأنها يمكن أن تسير الأوضاع بمبلغ 13 مليار دولار، لكن هروب رؤوس الأموال يمكن أن يمحو هذا المبلغ بغضون أشهر، وقال البروفسور نيال فيرغسون، من جامعة هارفارد: إن حجم هروب رؤوس الأموال من مصر في الوقت الحالي يعادل 10 أضعاف المساعدات التي وعدت الولايات المتحدة والدول الأوروبية مصر بها.

يأخذ هروب رأس المال من مصر أشكالا كثيرة، بما في ذلك سرقة زيت الديزل، والأرز، والسلع الأساسية من المخازن لبيعها في الخارج. وحسب العارفين في مصر، فإن السرقة صارت منتشرة، وعمدت الشركة الوطنية لتوزيع الأغذية في مصر إلى إصدار بطاقات تموينية تغطي زيت الطهي، السكر، الأرز، والمعكرونة، لكن هذا الجهد المؤقت لضمان وصول الغذاء إلى الفقراء سبب مشاكل أخرى؛ إذ صارت البطاقات التموينية تُسرق من مكاتب البريد قبل وصولها إلى المتلقين، كما أن المخازن ترفض الالتزام بالبطاقات وتفضل بيع المواد الغذائية للذين يدفعون نقدا.

كان وزير التضامن والعدالة الاجتماعية، الدكتور جودة عبد الخالق، قد قال الشهر الماضي إن الأزمة في إمدادات الأرز سببها احتكار الشركات، بالإضافة إلى تهريبه في حاويات عبر الموانئ البحرية خارج مصر إلى عدد كبير من الدول مثل ليبيا، السودان، الأردن، سوريا وحتى تركيا.

في الواقع، كانت وزارة التضامن والعدالة الاجتماعية قد أعلنت أن لدى مصر إمدادات 7 أشهر من السكر، و5 أشهر و10 أيام من القمح، و3 أشهر ونصف الشهر من زيت الطبخ، كأنها بذلك تهدف إلى بث الثقة في قدرة البلاد على إطعام الشعب.

ليس لدى الحكومة المصرية التماسك الداخلي أو المصداقية الشعبية للتفاوض حول الدعم المالي من الغرب. الحكومة تخاف من المتظاهرين وتخاف أكثر من الأحزاب الإسلامية الأذكى من الآخرين، على الرغم من أنه لا حلول اقتصادية لديها.

التخبط يتغلغل على كل الأصعدة في مصر. على صعيد المتظاهرين تبين أن الشباب الذين أرادوا إسقاط النظام ونجحوا وجدوا أنفسهم الآن غارقين في أحلام كلمات وخطب لا تطعم ولا تنقذ الاقتصاد ولا تغير واقعا مستفحلا. المجلس العسكري يريد، كما حالة مصر دائما، البقاء على رأس السلطة وعدم جعل laquo;الإخوان المسلمينraquo; على الرغم من الثناء الأميركي، يقررون مستقبل مصر. فالجيش ما كان أسقط الرئيس حسني مبارك، وبرغبة أميركية، لو أنه كان يريد الإفساح للإسلاميين أو مدنيين بأن يحكموا وحدهم. ثم إن استمرار هروب رأس المال يهدد الهامش المتبقي للحكومة في معالجة الوضع الكارثي المتوقع.

دستور جديد، لا بد منه، الديمقراطية حاجة ضرورية، الحرية حق لكل إنسان، لكن مشاكل مصر على المدى الطويل تهدد هذه المكونات كلها؛ إذ عليها أن تجد طريقة للتعامل مع أكثر من 45% من السكان الذين هم مزارعون أميون لا ينتجون، بحيث يتعين على البلاد استيراد أكثر من نصف استهلاكها من المواد الغذائية.

المساعدات المالية من الدول العربية المنتجة للنفط قد تؤخر فشل الدولة في مصر لعدة أشهر، لكن على الحكومة أن تنتبه في العلاقات السياسية الجديدة التي تحاول استئنافها، خصوصا ما يتعلق منها بإيران.