علي محمد فخرو


تتسابق الكثير من وزارات التربية والتعليم في أقطار الوطن العربي، أحياناً بتوصيات من قبل المختصين وأحياناً بقرارات سياسية من قبل رؤساء الدول لإدعاء الحداثة والعصرنة التكنولوجية، وذلك لإدخال الكمبيوتر وبالتالي شبكة الإنترنت في أكبر عدد من المدارس الثانوية وحتى ما دونها، إدخالها كوسيلة تعليمية للشرح والتبسيط أو كمصدر للمعلومات المدعمة للمنهج الدراسي.
بالطبع لا ضير في ذلك، خصوصاً على المستوى الجامعي، ولكن بمراعاة للدراسات والتجارب المخبرية التي تؤكد وجود نتائج سلبية من جراء تفاعل الإنسان مع تكنولوجيا التواصل ممثلاً على الأخص بالانترنت. أولى هذه النتائج هي حصيلة مقارنة بين قدرات وكفاءة الطالب في القراءة والكتابة من خلال الكمبيوتر أو من خلال القلم والقرطاس والكتاب. أي أنها مقارنة بين التكنولوجيا الحديثة والتكنولوجيا القديمة. النتائج تؤكد أن استعمال الكتاب والورق والقلم يعطي نتائج أفضل من حيث تركيب الجمل التي تكون أطول وأكثر غنى بالمفردات ومن حيث استيعاب أفضل وأعمق لما يقرأه الطالب.
الأسباب التي يذكرها الباحثون كثيرة منها أن الكتابة عن طريق الكمبيوتر تميل إلى استعمال الجمل المباشرة القصيرة وإلى استعمال الكلمات المبسطة بينما تقل كفاءة القراءة بسبب كثرة العوامل التي تضعف التركيز والإنتباه من مثل الإعلانات أو الإحالة لقضايا جانبية أو تقديم مقترحات ليست ضرورية. بمعنى آخر فإن الإنترنت قد يحسن الكفاءة الميكانيكية من مثل السرعة ولكن تحسن الكفاءة تتم على حساب العمق في الفهم وعلى حساب الذاكرة الطويلة الأمد، أي عدم الاحتفاظ لمدة طويلة في مراكز الذاكرة في مخ الطالب، وعلى حساب الجمالية في إنتقاء الكلمات وفقدان الذاتية في التعبير. إذ يصبح التعبير أكثر ميكانيكية وأقل إنسانية.
ثاني هذه النتائج هي حصيلة دراسات فيزيولوجية ومخبرية وتخطيطات إلكترونية للمخ تؤكد أن تغيرات حقيقية، كهربائية وكيميائية وغيرها، تحدث وتؤدي إلى ضعف في التركيز والإنتباه عندما يتعرض المخ لفيضان من المعلومات المتناثرة وغير المترابطة والمتلاحقة في وقت قصير. وينتهي الطالب بأن يملك الكثير من المعلومات والقليل من المعرفة، ففيضان المعلومات يضعف كفاءة المخ في تحويل المعلومات إلى معرفة.
ثالث هذه النتائج هي أن برامج الكمبيوتر المعروفة با 'Soft Ware' أصبحت تتبارى شركات الانترنت في تقوية كفاءتها لأسباب تجارية. لقد تبين أنه كلما زادت كفاءة البرنامج المسهل للقراءة أو الكتابة أو البحث قل استعمال إمكانيات المخ الطبيعية في التغلب على الصعاب أو الغموض في حقول من مثل القراءة والكتابة أو دراسة المواد العلمية أو إجراء البحوث. وتأكد إذن أن البرامج المستعملة في كمبيوترات المدارس يجب أن لا تكون من الكفاءة الزائدة بمكان بحيث تؤذي بالطالب إلى عدم استعمال قدراته الذاتية والإعتماد الكلي على الآلة وبرامجها. هنا أيضاً يفقد الطالب جانباً مهماً من قدراته البشرية الطبيعية بسبب قلة الاستعمال.
في مقال قصير ومختصر لا يمكن الدخول في كثير من تفاصيل الدراسات النفسية والفيزيولوجية التي تزخر بها أدبيات موضوع الإنترنت وتأثيراته السلبية، بجانب بالطبع تأثيراته الإيجابية التي لا ينكرها أحد. هدف المقال هو التحذير من أن تنقلب استعمالات الكمبيوتر والإنترنت في المدارس نتيجة قرارات سياسية إنتهازية وتحذير المربين والأهالي من الاستعمالات الخاطئة للكمبيوتر وبرامج الإنترنت.
والواقع أن ما ذكر بشأن الطلبة ينطبق أيضاً على الأفراد وخصوصاً الذين يستعملون الكمبيوتر والإنترنت يومياً كجزء من عملهم. إن الدلائل التي تشير إلى تأثيرهما على قدرة الإنسان للتركيز والإنتباه أو الفهم العميق لما يقرأ أو الإحتفاظ بما يقرأ في مراكز الذاكرة الطويلة الأمد أو حتى تفاعل الإنسان مع آلام وأحزان ومآسي الآخرين... إن هذه الدلائل الأولية تدق جرس الإنذار. وإذا علمنا أن الفرد في المجتمع الأمريكي مثلاً يشاهد التلفزيون لمدة خمس وثلاثين ساعة في الأسبوع ومثلها يقضيها في الإنشغال بالانترنت ورسائل التلفون المحمول النصية أو الصوتية، بينما يقضي معدل ساعتين ونصف في الأسبوع في قراءة الكتاب والمجلات والصحف.... إذا علمنا ذلك آن لنا أن نفكر مبكراً في أن لا يصل الإنسان العربي إلى تلك الحالة التي ستكون لها مضارها الحضارية والإنسانية والتربوية.