قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حميد الكفائي


منذ أشهر عدة ومفوضية الانتخابات في العراق تخضع للتحقيق حول مزاعم فساد ارتكبه مديرون فيها، وقد خضعت لاستجواب قاس في البرلمان قادته النائب عن كتلة دولة القانون، الدكتورة حنان الفتلاوي التي أبرزت وثائق تدلل على أن هناك فساداً من نوع ما في المؤسسة. ويتضمن الفساد المزعوم توظيف بعض أقارب المفوضين في المفوضية وشراء معدّات وأجهزة شخصية من المال العام وحجز غرف في فنادق لرئيسها في مدينتين مختلفتين في الوقت نفسه وما إلى ذلك من تجاوزات. لكن المفوضية نجت من إجراء سحب الثقة عنها إذ اتفقت الكتل الأخرى على إبقائها في الوقت الحاضر حتى تعيين مجلس مفوضين جديد يحل محل المجلس الحالي الذي تنتهي ولايته بعد أشهر عدة. ولم يصوت مع سحب الثقة سوى نواب كتلة دولة القانون التي يقودها رئيس الوزراء نوري المالكي. ولكن هل كان هذا الاستهداف حقاً بسبب الفساد؟ أم أنه لأسباب أخرى لها علاقة بإدارة الانتخابات الماضية؟

الفساد الذي اكتشفته النائب الفتلاوي في مفوضية الانتخابات (المستقلة) موجود في شكل أكبر في كل مؤسسات الدولة الأخرى بل وفي أعلى التشكيلات المؤسساتية في البلد، والدكتورة الفتلاوي، التي بدت حريصة على محاربة الفساد، مدعوة للنظر في المؤسسات الأخرى أيضاً، ابتداء من رئاستي الوزراء والجمهورية والوزارات وانتهاء بالسفارات والمؤسسات الصغيرة في المدن والقرى النائية. لم يعد تعيين الأبناء والزوجات والأخوة والأصهار أمراً غريباً في الدولة، بل اصبح تقليداً laquo;طبيعياًraquo; يسير عليه الجميع، وهذه مؤسسات الدولة خير شاهد على هذه الظاهرة المعيبة والمحزنة. لا يوجد تشريع حتى الآن يجعل من تعيين الأقارب عملاً مخالفاً للقانون ومعظم المسؤولين، حتى في الدوائر الصغيرة، يأتي بأقاربه ليكونوا مساعدين أو مستشارين أو في الأقل حراساً ومرافقين. أتذكر أنني زرت إحدى الوزارات وحاولت رؤية الوزير الذي كنت أعرفه شخصياً. وعندما وصلت مكتبه قيل لي إن الوزير غائب، لكن في إمكاني أن أرى ابنه إن أردت! فقلت للموظف إنني لم آت للتهنئة أو التعزية في مناسبة خاصة كي يتوجب عليّ أن أرى أياً من أفراد العائلة! النائب الفتلاوي مدعوة أيضاً للنظر في وضع الهيئات المستقلة ووكالات الوزارات والمديريات العامة والسفارات لترى بأم عينها كيف عُيِّن الرؤساء والوكلاء والمديرون والسفراء والديبلوماسيون بل حتى صغار الموظفين والحراس والسائقين.

السفارات العراقية في الخارج أصبحت ملجأ لأبناء المسؤولين وإخوتهم وأصهارهم وعدلائهم وأصدقائهم وأقارب مساعديهم وأصدقاء حراسهم. الفساد الذي وجدته النائب الفتلاوي في المفوضية منتشر في كل مؤسسات الدولة ويديره أو يعلم به كبار المسؤولين والسياسيين والضباط، لكن أحداً لم يحقق فيه وقلما طرد مسؤول بسبب الفساد حتى الآن بل لا يعتبر تعيين الأقارب فساداً يحاسب عليه القانون بل هو أمر متبع منذ أيام حكومة مجلس الحكم حتى الآن. ولنسأل النائب الفتلاوي: ألا يعتبر قبول استقالات الوزراء والنواب وأعضاء مجالس المحافظات والمستشارين والموظفين الكبار ودونما سبب بعد أشهر أو أسابيع أحياناً من تعيينهم أو انتخابهم فساداً وهدراً للمال العام، خصوصاً إذا عرفنا أن هؤلاء سيواصلون تمتعهم برواتب مجزية، تعادل ثمانين في المئة من رواتبهم، ومعظم امتيازاتهم من سكن وحراسة ونقل؟ لماذا لا تنظر السيدة الفتلاوي في الكثير من هذه التعيينات والاستقالات المشبوهة التي أصبحت عبئاً كبيراً على الدولة؟ لماذا يرشح المرء نفسه في الانتخابات ويفوز فيها ثم يستقيل بعد أشهر كي يعود لممارسة عمله السابق، في الدولة وخارجها؟ كثيرون الآن يعيشون في الخارج وينشغلون بنشاطات خاصة أو حزبية لكنهم يتقاضون رواتب من الدولة، والسبب أنهم عملوا لبضعة أشهر كمستشارين أو وزراء أو وكلاء أو نواب. ألا تعتقد السيدة الفتلاوي أن الإجازات الطويلة التي تمتد لسنين والتي يتمتع بها الموظفون، كباراً وصغاراً، وإن كانت من دون راتب، فساداً؟ فهذه الإجازات تؤهل هؤلاء لرواتب تقاعدية عندما يصلون إلى سن التقاعد وهي بالتأكيد تشكل عبئاً كبيراً على موازنة الدولة التي لم تعد تستطيع النهوض بواجباتها ومهامها الأساسية بسبب الإرهاق الذي تعانيه من كثرة المتقاعدين والمجازين من الوزراء والنواب والمستشارين والموظفين والضباط.

هناك أيضاً جرائم ترتكب في العراق اليوم وهي تستحق اهتمام نواب الشعب وليس فقط فساد مفوضية الانتخابات الذي يعتبر هيناً بالمقارنة، منها على سبيل المثال عمليات الاغتيالات بالمسدسات الكاتمة للصوت والتي تطاول السياسيين والصحافيين والكفاءات العلمية والادارية العراقية في طول البلد وعرضه وهي مقلقة للجميع ولم نسمع أن الحكومة أو النواب اهتموا بها أو توصلوا إلى أسبابها ومن ينفذها. ومنها أيضاً أعمال التعذيب التي تجرى في السجون والمعتقلات العراقية والمعاملة غير الإنسانية التي يتلقاها السجناء والمعتقلون والتي قادت إلى تمرد في عدد من السجون كان آخرها سجن الحلة. كيف لا يحقق النواب في مزاعم التعذيب المتواترة؟ وكيف تسمح الحكومة أن تبقي أكثر من ألفي سجين في سجن يتسع لستمئة شخص فقط؟ وبأي حق يبقى الناس في المعتقل لأشهر أو سنين من دون أن توجه اليهم تهمة؟

الكل يعلم أن مفوضية الانتخابات لا تخلو من فساد، حالها في ذلك حال باقي مؤسسات الدولة، وهي أيضاً ليست مستقلة على رغم أن هذه الكلمة تشكل جزءاً من اسمها. المفوضية تمثل القوى السياسية الرئيسة الحالية باستثناء كتلة laquo;العراقيةraquo; التي لم ترشح شخصاً لتمثيلها أثناء تشكيل المفوضية لأنها كانت صغيرة في تلك الفترة. استهداف مفوضية الانتخابات بالتحقيق والاستجواب وما رافقه من صخب وتهويل هو إجراء انتقائي يتجاهل الفساد الكبير والمعلن والمتعمد الذي ترزح تحته الدولة، وهو أيضاً يخفي وراءه نوايا أخرى قد لا تكون بريئة. فهناك جهات وكتل سياسية، في طليعتها كتلة دولة القانون، غاضبة من أداء المفوضية الذي كان جيداً ومنصفاً في شكل عام في الانتخابات الأخيرة وقد تكون العملية مجرد تصفية حسابات مع أعضاء المفوضية الذين لم laquo;يرتقواraquo; إلى طموحات بعض الكتل التي كانت تأمل بتحقيق laquo;نصر مؤزرraquo; على خصومها. إن الاستهداف يؤدي، بتخطيط أو من دونه، إلى إزالة مفوضية الانتخابات من الساحة، ما يعني الإبقاء على الحكومة الحالية إلى ما لا نهاية، وهذا، إن تحقق، يشكل انقلاباً laquo;أبيضraquo; على العملية الديموقراطية لأن تشكيل مفوضية جديدة سيخضع لتوافقات سياسية غير متوافرة في الوقت الحاضر، ما أدى إلى بقاء الوزارات الأمنية شاغرة بعد ثمانية أشهر من تشكيل الحكومة.