أحمد يوسف أحمد

بعد أكثر من أربعين عاماً من نظام حكم بدت ليبيا في مراحله الأخيرة وكأنها خرجت من التاريخ نجح الثوار الليبيون في دخول العاصمة طرابلس بعد ثورة مسلحة طال أمدها أكثر من نصف عام، وهو زمن ليس بالطويل في عمر الثورات، غير أن ما ساعد على الشعور بوطأته ما بدا من أن ثمة جموداً وكرّاً وفرّاً لا يشير إلى تقدم حاسم لأي من الطرفين بعد الانتصار السريع الذي حدث في الشرق، وخاصة أن الثورتين التونسية والمصرية اللتين سبقتا ليبيا في تحقيق هذا الإنجاز لم يطل أمدهما أكثر من أيام انتهت بالنجاح في إسقاط رأسي النظام. وأكتب هذا المقال وقد بدت مؤشرات انتصار الثوار واضحة، ولكنها غير حاسمة بعد، بمعنى أن ثمة احتمالاً في أن الثوار ما زالوا يعملون على تصفية البؤر المتبقية للنظام في المدينة، وخاصة أن مصير القذافي لم يحسم بعد وأن باب العزيزية لم يتم الإعلان عن اقتحامه حتى كتابة هذه السطور، وقد يحدث الحسم في أية لحظة، وقد يطول انتظاره بعض الشيء، لكنه من الواضح أن اليد العليا باتت للثورة والثوار.

ولعل الكلمة المسموعة الأخيرة التي وجهها القذافي للشعب الليبي عبر التليفزيون الرسمي هي أقوى دليل في هذا الصدد، فقد بدا صوته منكسراً وهو يتحسر على حال طرابلس التي يحتلها quot;الاستعمار وأعوانهquot; من جديد بعد كل ما كان من ثورة وتحرير، وكذلك وهو يدعو الشعب الليبي إلى الزحف لتحرير طرابلس. ويعني هذا أولاً اعترافه بأن شيئاً جللاً قد حدث، وأنه ثانيّاً ما زال على إدراكه المشوش للموقف على أنه مؤامرة خارجية، وليس ثورة دُفِعَ الشعب الليبي إليها دفعاً بسبب ممارسات نظامه، وكذلك فإن الدعوة إلى quot;الزحفquot; لتحرير طرابلس تعني أن كل الأوراق قد سقطت من يده، بحيث يصبح سيناريو الخلاص منه هو السيناريو الوحيد، وإن ثار السؤال حول كيفية هذا الخلاص: هروب اللحظة الأخيرة -الوقوع في قبضة الثوار ومحاكمته- الفتك به على أيدي الجماهير الثائرة.

ومن الواضح أن أسباب الاجتياحات الناجحة الأخيرة من قبل الثوار للمواقع التي كان القذافي يسيطر عليها ليست عسكرية بالأساس، فالواقع أن تشكيلاتهم وخبراتهم القتالية والأسلوب الذي كانوا يقاتلون به كان من الممكن ألا يصمد في وجه قوة جيدة التنظيم حسنة التسليح ذات عقيدة قتالية تؤمن بها، ولكن كتائب القذافي كانت بعيدة كل البعد عن هذه السمات، فلم يكن تنظيمها محكماً، وكان على رأسها أبناء القذافي نفسه، والأهم من ذلك أنها كانت تفتقد القضية والهدف عكس الثوار، بالإضافة إلى الإنهاك الذي لابد أن يكون قد أصابها خاصة في المراحل الأخيرة للقتال.

وليست هذه هي السابقة الأولى في الخبرات الماضية، فقد سقطت عدن بسرعة لافتة في أيدي قوات الوحدة في حرب الانفصال 1994، بعد أن كان الجميع يتصورون عكس ذلك، لأن المدافعين عنها سيتبعون أساليب حرب المدن، كما أن منفذها البحري يمنع حصارها، ولكنها سقطت بسرعة لأن أهلها كانوا فاقدي الإيمان بالنظام الذي يفترض أنهم يدافعون عنه.

وثمة دلالات مهمة دون شك ستتولد عن الانتصار النهائي للثورة بإذن الله. وأولى هذه الدلالات ما سبقت الإشارة إليه بخصوص الإدراك الخاطئ للموقف من قبل القذافي، وتصويره لما يحدث على أنه عملية quot;إعادة الاستعمارquot; لليبيا، ومعنى هذا أن الإصلاح مستحيل بأيدي الحكام الحاليين في الحالتين الأخريين المتبقيتين في اليمن وسوريا، لأن الخطأ في الإدراك مشترك، ففي تلك الحالتين ثمة إصرار على أن المسألة لا تعدو أن تكون مؤامرة خارجية، مع أن القول بذلك يعني ضمناً هشاشة النظامين إلى الحد الذي يمكن quot;الخارجquot; من أن يخترق quot;الداخلquot; ويحركه بهذه السهولة دون قدرة لدى النظام في أي من الحالتين على المواجهة إلا بالعنف المفرط تجاه المعارضين، وحتى في الحالة اليمنية عاد الرئيس بعد أن تماثل للشفاء من محاولة اغتياله إلى ترديد المقولات نفسها السابقة على تطور الأحداث وصولاً إلى محاولة الاغتيال التي كادت تودي بحياته. بل إن نبرته في الحديث الأخير إلى الشعب اليمني لم تكن تخلو من سخرية واضحة من الثورة اليمنية والتعريض بها.

لا شك أن الانتصار النهائي للثورة الليبية وترسيخ أقدامها سيكون حدثاً تاريخيّاً بالنسبة لليبيا، غير أن ثمة تحديات حقيقية ستواجهها الثورة بعد النصر، وأولها وأخطرها تحدي بناء دولة وطنية ليبية ذات مؤسسات سياسية وعسكرية حديثة بديلاً عن البنية التي خربها النظام السابق، ولن يكون هذا ممكناً إلا بمواجهة التحدي الثاني وهو الحفاظ على وحدة الثوار بغض النظر عما بينهم من تنوع فكري وسياسي، ولا شك أنه ليس ثمة حل لهذا التحدي إلا بالانتقال بقوى الثورة من حالة الفعل الثوري إلى حالة الانضباط المؤسسي في إطار من الرؤية السليمة، وتطبيق الآليات الديمقراطية، لأن الإخفاق في هذا التحدي سيمثل خطراً حقيقيّاً على مستقبل الثورة، كما هو الحال في مصر حتى الآن.

وثمة تحدٍّ ثالث ينطوي على خطورة حقيقية بالنسبة للمستقبل الليبي وهو تحدي quot;الاستحقاقات الخارجيةquot;، فقد لعب حلف الأطلسي دوراً في مساندة الثورة بحمايتها من مزيد من بطش النظام السابق، وعلى رغم أن فاعلية هذا الدور غير مؤكدة حتى الآن فإنه قد تكلف أموالاً طائلة دون شك، ولذلك فإن دول الأطلسي ستكون لها مطالبها من الثورة، وتدخل في هذا اتفاقات نفطية مع ليبيا تعطي فيها هذه الدول وضعاً تفضيليّاً، أو مطالبة ليبيا بالدخول في اتفاقيات ذات طابع استراتيجي تجعلها من الناحية الفعلية جزءاً من منظومة حلف الأطلسي، ولا يمنع هذا من المطالبة الصريحة بتحمل ليبيا جزءاً من نفقات تمويل الجهد العسكري الأطلسي الداعم للثورة في مواجهة خصومها، ولو حدث هذا أو شيء منه سيكون معناه أن ليبيا قد كسبت معركة حريتها الداخلية وخسرت استقلالها، ويقيني أن الثوار لا يمكن أن يقعوا في خطأ كهذا الخطأ الذي يصفي أي انتصار للثورة من مضمونه.

وتبقى أخيراً تداعيات انتصار الثورة الليبية على الثورتين اليمنية والسورية، ويمكن الحديث عن سيناريوهين محتملين في هذا الصدد، أولهما أن الخوف من تكرر الإنجاز للمرة الثالثة سيدفع النظامين القائمين إلى تقديم تنازلات حقيقية للجماهير، وهذا ما قد فات أوانه الآن بكل تأكيد، أو على العكس، ثانيّاً، سيدفع إلى مزيد من العنف المفرط معهم. وبالنسبة للقوى الثورية في البلدين فإن انتصار الثورة الليبية سيمدها دون شك بزخم جديد، وإن كان الانقسام المؤسف الذي تمر به قوى الثورة اليمنية مؤخراً يلقي ظلالاً من الشك على مستقبلها بغض النظر عما يجري حولها، وهذه قضية أخرى.

ولا يكاد المرء يصدق في هذه اللحظات التاريخية أن الحاكم ذا النظرة المتعالية أبداً، والتصرفات الغريبة دوماً، والذي جمع في سنة حكمه الأخيرة عدداً من الألقاب من بينها رئيس القمة العربية وquot;ملك ملوك أفريقياquot; وأقدم حكام العرب -وربما العالم- وquot;القائد الأمميquot;- لا يصدق أن الستار قد أسدل أخيراً على دوره التخريبي في هذا الجزء العزيز والمهم من الوطن العربي.