عدنان حسين


أصبحنا قاب قوسين أو أدنى، أو على مرمى حجر من إقرار مجلس النواب مشروع القانون الخاص بالعفو العام الذي صُمم ليشمل مرتكبي جرائم مختلفة، بينها ما هو خطير مخلّ بالشرف كجرائم القتل على الهوية الطائفية والقومية وجرائم الغش والتزوير في شهادات مدرسية ووثائق رسمية.

مشروع القانون سيمرره البرلمان بعد تمثيلية من فصل واحد يُطلق فيها بعض النواب بعضاً من الزعيق بما يُوحي بمعارضة كتلة أو أكثر للقانون، ليُصبح بعد انتهاء هذه التمثيلية قانوناً نافذاً، ستبدع الحكومة في وضعه موضع التطبيق في الحال بسبب الحاجة الماسّة لأطراف في الحكومة والبرلمان لخدمات هؤلاء المجرمين الذين يرتبط كثير منهم بهذه الأطراف. وربما سيلحق العقاب بمن يمتنع عن تنفيذ القانون أو يعارض تنفيذه، فالقوانين من هذا النوع خصوصاً محترمة في دولتنا وواجبة التطبيق حتى لو كانت تتعلق بزرع ألغام في الشوارع والأزقة والأسواق، قابلة للانفجار في أية لحظة، وكل واحد من هؤلاء هو في الواقع لغم لا يحتاج إلا لنزع صاعقه.
ليس هذا بالذات ما يقلقني، فلا بدّ لنا ان نجد طريقة للتكيّف مع القانون الوشيك الصدور ومع جيش المشمولين به، مثلما نتكيّف مع كل المساوئ في حياتنا، وفي المقدمة منها وجود طبقة حاكمة لا تتورع عن إضفاء الشرعية على جرائم شنيعة كالتي سيشملها العفو العام، ولا تتردد في تحريم وتجريم أعمال يكفلها الدستور كحقوق ثابتة، مثل انتقاد الأداء السيئ لمؤسسات الدولة والمسؤولين عنها، بالتظاهر أو عبر وسائل الإعلام.
المقلق هو حال المعتقلات والسجون التي سيغادرها المشمولون بالعفو، وهم بعشرات الآلاف، وحال القائمين عليها وهم بالآلاف. ما الذي سنفعله بهذه المباني الكبيرة الكثيرة؟ وما الذي سيقوم به المدراء والمساعدون والحراس؟ بالتأكيد لن تُترك السجون والمعتقلات لتتحول إلى مستعمرات للهوام والقوارض ولن تُترك طواقمها للبطالة المقنعة.
طبقتنا الحاكمة لا بد أنها فكّرت في الأمر ملياً، فهي طبقة ذكية وتتأمل الأشياء بعقلية إستراتيجية، ولا بدّ أنها توقّعت أن إطلاق سراح هذه الأعداد الغفيرة من أرباب السوابق من السجون والمعتقلات ومكافأة المزوّرين ولصوص الوظائف بإبقائهم في مناصبهم وعلى كراسيهم سيتسببان في مشاكل كثيرة مع ضحايا الجرائم التي ارتكبها المعفو عنهم، فالقتلة ستسعى عائلات ضحاياهم الى الانتقام منهم ومزورو الشهادات والوثائق سيشعر أصحاب الشهادات الحقيقية بالحنق تجاههم، خصوصا مع استمرار عطالتهم بسبب سرقة وظائفهم واستشراء الفساد المالي والإداري. والنتيجة أن quot;مجرمينquot; جدداً سيُلقى القبض عليهم ويُحالون إلى المحاكم ويُحكم عليهم بالسجن وربما الإعدام أيضاً، وهكذا تزدهر الحياة من جديد في السجون والمعتقلات ويُقضى على البطالة المقنعة بين صفوف مدرائها ومساعديهم وحراسها.
هذا بالذات ما يُقلقني من تمرير مجلس النواب لقانون العفو العام، فمن المرجح أن تتحول السجون والمعتقلات إلى محاجر لخيرة بنات العراق وأبنائه ويُصبح المجتمع في المقابل ملعبا مفتوحاً لأراذل الناس.