أمجد عرار

أمر غريب ما نقل عن أكاديميين فلسطينيين شاركوا مؤخّراً في مؤتمرات ولقاءات في الولايات المتحدة، عن مفاجأتهم بارتياح لمسوه لدى النخب السياسية والفكرية الأمريكية، إزاء نتائج استطلاعات الرأى الفلسطينية التي أظهرت ارتفاعاً في التأييد الشعبي لحركة ldquo;حماسrdquo; في أعقاب الحرب على غزة . الغرابة هنا لها أوجه كثيرة، أولها أن أي متابع للشأن السياسي لا يجوز أن يستغرب من ارتفاع شعبية حركة قادت مع فصائل أخرى رداً عسكرياً فاعلاً ضد العدوان ldquo;الإسرائيليrdquo; الدموي على شعبها، وأطلقت صواريخ وصلت إلى مدينتي ldquo;تل أبيبrdquo; والقدس بكل ما تعنيانه من رمزية في حسابات الكيان . الشعب يرى هذا انتصاراً مهما تناثرت التحليلات، ما لم يتبيّن خلاف ذلك على شكل سيناريو سياسي على غرار ldquo;كامب ديفيدrdquo; أو ldquo;أوسلوrdquo;، وعندها لكل حادث حديث .

وجه آخر للغرابة أن هؤلاء ينسون أنهم قادمون من الولايات المتحدة ومن لقاءات وكولسات مع تلك الأوساط نفسها، وليس من باب العبث التساؤل عن مغزى ldquo;البعثاتrdquo; المتكرّرة منذ أكثر من عقد من الزمن إلى الولايات المتحدة، وعقد اللقاءات والمشاركة في دورات عن الديمقراطية والتنمية والإنترنت وحقوق الإنسان، في بلد يعرف الجميع غاياته من هذه النشاطات باعتبارها وجهاً آخر لتوجيه العمل السياسي وتوظيفه آنياً أو في الوقت المناسب، وفقاً للأهداف الأمريكية وفي الأصل، ldquo;الإسرائيليةrdquo; . وهنا تبدو المسألة كأنها تنافس على كسب ود الولايات المتحدة أكثر منه موقفاً مدركاً لعداء أمريكا الرسمية والنخبوية للحقوق الفلسطينية والعربية وحقوق الشعوب عموماً .

لعل هذا هو الوجه للغرابة، أوضح من غرابة الحديث عن ميل عام للنخب الأمريكية نحو الإخوان المسلمين وفروعهم، فهذا أمر لم يعد خافياً على أحد وبخاصة خلال السنتين الأخيرتين، في ظل ما تشهده بعض الدول العربية من حراك سمّي ربيعاً عربياً على نحو في الحد الأدنى غير دقيق، فيما هو ربيع الإسلام السياسي بكل وضوح .

هذا ليس تجنّياً أو هجوماً ولا حتى انتقاداً لأحد، إنما تصحيح لمفهوم لا يطابق الواقع، بما فيه ما يعلنه الإخوان المسلمون في مسمّياتهم وبرامجهم . فالحركة من حيث المضمون البرامجي تعلن تبنيها المنهج الإسلامي وشريعته، وهي في مسمّاها العام لا تحمل أي لفظ يشير إلى العروبة أو الانتماء القطري وتقتصر على المسمى الإسلامي . لا توجد حركة إخوانية واحدة تحمل في اسمها لفظاً يحدّد البلد الذي تعمل فيه، فحتى فرع الإخوان في فلسطين المحتلة يحمل اسم حركة المقاومة الإسلامية ldquo;حماسrdquo;، وليست فيه كلمة فلسطيني، وهو اسم يصلح ليكون في العراق أو حتى الفلبين . كما أن فرع الحركة في الأردن اسمه جبهة العمل الإسلامي، وفي تونس حركة النهضة، إضافة إلى سلسلة الاستنساخات المتمحورة حول العدالة والتنمية والحرية والعدالة وغيرها من ثنائيات الواو التركية، وكلها لا تحمل هوية الوطن .

الغرب لديه خبراء متفرّغون لقراءة المتغيرات الدقيقة لدى الشعوب، ولديه ايضاً مخزون من البراغماتية يكفيه للبحث عن الأحصنة الرابحة لامتطائها في أية مرحلة، وهو لا يضع ldquo;فيتوrdquo; على أي سياسي أو حزب إذا أبدى استعداداً للتعاطي معها تحت سقف معروف مسبقاً، لذلك سمعنا موقف إخوان مصر المستعد لاحترام ldquo;كامب ديفيدrdquo;، وسمعنا موقفاً أكثر وضوحاً من جانب حركة النهضة في تونس عبّر عنه رئيسها راشد الغنوشي في تصريحات نقيضة لمعظم مواقفه السابقة، على صعيد الموقف من التطبيع والعمليات الفدائية وغيرها .

على أية حال، سننتظر لأمد طويل أو قصير لتتضح الرؤية أكثر، وما دامت الديمقراطية الغربية أصبحت لعبة معترفاً بها، فإن الحكم على المواقف متروك للشعوب وحسّها الصادق .