علي سويدان

نحن نُجل ونأسف لكل قطرة دم تسفك في سورية وعلى تراب أمتنا، ولا نهدف من كلامنا إلاّ تصحيح المسار فكرياً قبل كل شيء، لكن اللغة الصحافية في الكتابة تقتضي المقارنات والانتقاد وربما التهكم أحياناً بقصد لفت الانتباه لا غير وليس للاستهزاء، وننأى بأنفسنا عن ذلك.
مسألة توثيق المعلومة التي تصل إلينا حول شأنٍ ما مسألةٌ في غاية الأهمية، لذلك وجدنا أمثلة في تاريخنا العربي والإسلامي تُصَوِّرُ منتهى الدقة في التأكُّد من الخبر ومنتهى الأمانة في التوثيق، وإلاّ لما وصلنا هذا الكم الرائع من الموروث الأدبي منذ العصر الجاهلي إلى ما بعده من عصور، وإن نظرنا إلى المسألة من الجانب الديني وجدنا انفراداً لا مثيل له في طريقة الإسناد لأحاديث النبي الكريم وكيفية تمحيص النص وسلسلة رُواتِه، وهذا ما تميَّز به المسلمون في توثيق الأحاديث في علوم مثل علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل وغير ذلك مما امتاز به العرب والمسلمون في مراحل سابقة، كل ما وصلنا من أصول وآثار قام الدين وقامت العلوم على أساسها لم تكن لتكون لولا وازع الاهتمام بصحَّةِ الخبر وتوثيق نصه وسلامة ناقله، ولو سارت الأمور في ما سبق من الأيام دون هذا النسق المميز لتلاشى كم هائل من موروث الأدب العربي، ولتبعثر كنز الأمة ولَما وصلنا من ذلك شيء.
سألني أحد الأصداقاء: (كم قتل منكم بشار الأسد حتى اليوم؟) فأجبته: (لم يبقَ أحد إلاّ أنا وزوجتي وأطفالي وربما يقتلنا نحن أيضاً في الأيام المقبلة!)، إنه من الطبيعي أنْ نرى الأمور على هذا النحو طبعاً إن كنا مستسلمين لقنوات فضائية تأخذ أخبارها من اليوتيوب وغيره، والمشكلة أن كل من يمشون على الأرض في سورية لا يشاهدون أي تشابهٍ بين ما يُعرض على الفضائيات اليوتيوبية وبين ما يرونه على الأرض، وأقصد على الأرض في سورية، يعني سطح الأرض في سورية، وليس سطح القمر! مسألة توثيق الخبر يجب أن تكون خطاً أحمر ليس لدى القائمين على الفضائيات العربية فحسب، بل تعدى الأمر في ذلك إلى عموم الناس ليشاركوا بدورهم في توثيق وتمحيص تلك الأخبار القادمة من سورية، وإلاّ ستكون أفلام اليوتيوب التي لا يتجاوز كلٌّ منها الدقيقة وأجزاء من الدقيقة مصدرَ ندم لدينا حين نتجرَّدُ فكرياً وأخلاقياً من عوالق الانحياز المقيت ونقارنُ بينها وبين الأساليب النبيلة التي تركها لنا الأولون في توثيق الخبر. إذا تابعنا أفلام اليوتيوب فستكون النتيجة أن معظم السوريين الآن قد ماتوا، وكما قال عادل إمام في (الواد سيد الشغال): ثم مات المنتج والمخرج ثم مات الممثلون، وحين عُرض هذا المسلسل على المشاهدين مات المشاهدون جميعاً!