باريس

حزمة التحديات المطروحة على هولاند في بداية ولايته الرئاسية، واستمرار تجاذب الزعامات الأوروبية بشأن سبل مواجهة الأزمة المالية، ومخاض عمليات الانتقال السياسي في الثورات العربية، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية.

---------

تحديات هولاند

في افتتاحية بصحيفة ليبراسيون قال الكاتب نيكولا ديموران إن الرئيس الفرنسي الجديد فرانسوا هولاند بعدما حقق الفوز في الانتخابات الرئاسية وحصل على أغلبية اشتراكية مريحة في الانتخابات التشريعية أصبح في مقدوره الآن الاتجاه إلى التحديات الكثيرة التي كانت في الانتظار طيلة فترة الحملتين الرئاسية والتشريعية، وعلى رأسها استحقاقات الأزمة الاقتصادية الفرنسية، والمالية والنقدية الأوروبية. والحال أن السياستين الداخلية الفرنسية، والأوروبية، أصبحتا في الواقع سياسة واحدة، وذلك لشدة ترابطهما، ولأن أية خيارات تتخذ في أي منهما ستكون لها تبعات بنيوية مباشرة على الأخرى، وذلك لكون الاشتراك في عملة واحدة مع بلدان أخرى يعني في النهاية ترابط ووحدة المسار والمصير معها. ومن هنا سيكون على هولاند أن يعرف كيف يميز منذ الآن بين الأقوال والأفعال، فيما يتعلق بالالتزام بحدود مقبولة من التقشف دون المجازفة بتجرع تضحيات اجتماعية مؤلمة كتلك التي كان ساركوزي مستعداً لقبولها متوافقاً في ذلك مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. كما أن ثمة حزمة تحديات أخرى كثيرة غير مسألة الموازنة بين التقشف والتزامات دولة الرعاية، فهنالك أيضاً موضوعات السجال الأوروبي التقليدي الأخرى مثل تجاذب أنصار المضي قدماً في توسيع الخيارات الفيدرالية في مقابل أنصار السيادة غير المستعدين للتخلي عن جوهر ووظائف الدولة الوطنية التقليدية.

ولاشك أن انتصار هولاند وتحقيقه لأغلبية برلمانية يغيران كثيراً من المعطيات السياسية الداخلية والأوروبية، ويجعلان الكرة في مرماه، إن صح التعبير، لترجمة كافة مشروعه السياسي على أرض الواقع. والراهن أن اليسار الفرنسي في وضع مثالي اليوم ويتمتع بشرعية غير خافية بما يسمح له باجتراح وتمرير رؤاه. والاقتصاد كالسياسة، هو أيضاً فن الممكن. ولعل أول ما يتعين على هولاند في هذا الطريق هو التخفف من بعض الوثوقيات الإيديولوجية، التي كان يتبناها ضد البنك المركزي الأوروبي، ومنطقة quot;اليوروquot;. ومع هذا لا أحد يدعي أن أدوات العمل الأوروبي الراهنة فعالة، فقد أثبتت السنوات الأربع الماضية من الأزمات المالية والنقدية الأوروبية المتفاقمة، أن ثمة شيئاً ما على غير ما يرام، وبالتالي فلابد من تغييره.

ولعل أقل ما يمكن قوله بشأن المستقبل هو أن حال الاقتصاد الفرنسي الصعب الآن، زيادة على الأزمة النقدية الأوروبية المزمنة، يفرضان اتباع طرائق مبتكرة في التفكير وفي طريقة اجتراح الحلول. كما لابد أيضاً من التفكير في كيفية مد حركة الإصلاح والتغيير إلى بنية الاتحاد الأوروبي نفسه، لجعله كياناً أكثر ديمقراطية وأقل بيروقراطية، مما هو عليه الآن.

التجاذب الأوروبي

تحت عنوان: quot;ميركل في مواجهة أوروبا الجنوبيةquot; رصد الكاتب بيير روسلين بعض أوجه التجاذب الأوروبي الراهن، بين قطبين أساسيين هما ألمانيا من جهة، وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا من جهة أخرى، وذلك على خلفية افتراق مواقف الطرفين تجاه طبيعة وحدود سياسات التقشف المالي المطلوبة لإخراج منطقة quot;اليوروquot; من أزمتها المستفحلة. والآن خلال لقاء روما بين ميركل وكل من هولاند ومونتي وروخوي، تعمل المستشارة الألمانية على التأثير في مواقف الزعامات الأوروبية الجنوبية بعدما تراجعت قوة التنسيق والاتفاق بين طرفي محور باريس- برلين، إثر خروج ساركوزي من السلطة. وينعقد هذا اللقاء الأوروبي المهم في ضوء المعادلة الجديدة في اليونان، ومجيء حكومة quot;ساماراسquot; في أثينا، التي يتعين تقديم بعض التنازلات لها لتحفيزها على المضي قدماً في اتجاه تنفيذ الاستحقاقات المالية التقشفية المطلوبة من اليونان أوروبياً. ويتعين في هذا المقام التفكير في تخفيف صرامة الإجراءات التقشفية المؤلمة المطلوبة، لتسهيل مهمة الزعماء اليونانيين الجدد ودعم قدرتهم على إقناع شعبهم بضرورة تقديم التضحيات.

ومن جانبه يريد رئيس الوزراء الإسباني روخوي أن يكون الدعم الأوروبي المقدم للبنوك الإسبانية، بأقل الشروط صعوبة، فيما يسعى رئيس الوزراء الإيطالي مونتي -الذي يلعب دور التلميذ المثالي أوروبياً- للحصول على معاملة مفضلة لتحفيز معدلات النمو المأمولة في بلاده. وفي هذه الأثناء تبدو زعامة فرنسا الجديدة أكثر واقعية الآن، وإن كانت تتولى حمل راية دول جنوب أوروبا، وتقدم نفسها كرافعة لمواقفها، بصفة متنامية. أما المستشارة ميركل فلا تخفي عدم ممانعتها في تقديم الدعم لشركائها الأوروبيين، ولكن على أن يتم ذلك بالقطعة ووفق شروط وآليات مضمونة النتيجة، لتطويق أسوأ السيناريوهات الممكنة لأزمة تفاقم الديون السيادية. وبالنظر إلى كل هذه المواقف والرهانات فإن لقاء روما بين هؤلاء الزعماء الأوروبيين الأربعة يمثل لحظة فارقة من لحظات التجاذب الأوروبي الراهن. وهو لقاء تبدو فيه ميركل منفردة في مواجهة ثلاثة زعماء شبه متفقين في مواقفهم ضدها. ولكن يقول الكاتب إني أريد لأي توافق أن يكون ناجحاً ومؤثراً فلابد من التفاهم حوله مع ألمانيا، وليس ضدها.

وفي تغطية للقمة الرباعية ذاتها نشرتها أول من أمس الجمعة صحيفة لوموند قالت إن المستشارة الألمانية لم تنحن أو تتراجع عن مواقفها أمام نظرائها من قادة دول جنوب القارة، ولذلك كان إخفاق المجتمعين الأربعة في التوصل إلى اتفاق أو توافق حول السبل الكفيلة بتطويق جموح أزمة منطقة quot;اليوروquot;، وإن كان ثمة ما يشبه التفاهم المبدئي بشأن العمل بكل الطرق الممكنة لاستعادة معدلات نمو متوافق عليها في دول الاتحاد.

المخاض الانتقالي

قالت صحيفة لوموند إن دول الحراك العربي تشهد الآن مخاض انتقال صعباً للغاية، مدللة على ذلك بآخر تجليات التجاذب الداخلي المصري على خلفية نتائج الانتخابات الرئاسية، وأيضاً ما شهدته تونس من عودة الصراع بين القوى التي حُسبت ذات يوم على العهد السابق، والقوى الجديدة البازغة في مرحلة ما بعد الثورة التونسية. هذا طبعاً دون إغفال المخاض السوري الدامي الذي ما زال متعذراً على الانتهاء، وكذلك استمرار احتقان الحالتين الليبية واليمنية. واعتبرت الصحيفة أن اليسر الذي حدث به التغيير في مصر وتونس مثلاً لم يكن متناسباً مع تعسر عملية الانتقال السياسي، ويمكن قياس بقية دول الحراك العربي الأخرى على ما جرى في النموذجين التونسي والمصري. ولذا يبدو أن أحوال عدم الاستقرار ستتطاول مع الزمن، كما أن الأفق الذي يحتمل أن تتكشف عنه في النهاية دخل الآن في مرحلة الأسئلة. وكل هذا يجري على رغم مرور ثمانية عشر شهراً الآن على بداية هذه الثورات العربية.

وعودة مرة أخرى إلى الحالتين المصرية والتونسية يتكاثف الاستقطاب والتعبئة في كل منهما أمام تهديد حركات الإسلام السياسي، التي عمل بعضها -بحكم ما لديه من تنظيم ومال- لتجيير الاستحقاقات الانتخابية التي جرت في الدولتين لتكريس سلطته وسيطرته على مختلف مفاصل المشهد السياسي. وقد بلغ جموح بعض الجماعات السلفية المتشددة حدوداً أثارت مخاوف كثيرين، كما أن غموض أجندة بعضها أثار أيضاً مخاوف الطبقة السياسية وقطاعات واسعة من النسيج السياسي والطائفي.

وفي الأخير ذهبت الصحيفة إلى أن طول مخاض المرحلة الانتقالية وما ظهر خلالها من تحديات ومفاجآت أثبت أن عملية الانتقال السياسي في العالم العربي ليست بتلك الدرجة من الانسيابية والسهولة التي ظن كثيرون بسذاجة في البداية أو الأمور ستسير وفقاً لها. ومع هذا فقد تتكشف المخاضات الراهنة في النهاية عن حالات استقرار، تسمح باستعادة أجواء المصالحة، وإعادة تحريك عجلة الإصلاح والتنمية في بلدان الحراك العربي.

إعداد: حسن ولد المختار