رضوان السيد


جمال البنّا أخٌ للشيخ حسن البنّا مؤسّس جماعة quot;الإخوان المسلمينquot;. وما يزال جمال حياً وقد نيَّفَ على التسعين. وكان الرجل في شبابه ذا نزعةٍ اشتراكية، وبعد مقتل أخيه دأَب على نقد quot;الإخوان المسلمينquot; لخلطهم شؤون الدولة بالدين، ولترددهم في المُضيِّ بالاجتهاد إلى أقصاه. وقد طوَّر في نصف القرن الماضي ما قد يكون مذهباً فقهياً مستقلاً، يذكّر في طلعاته الليبرالية بما آلت إليه آراء الدكتور حسن الترابي بعد أن أُرغم على مغادرة السلطة ودخول السجن! كلُّ هذه المقدمة للقول إنّ جمال البنّا غيّر رأيه أخيراً، واستحسن وصول محمد مرسي الإخواني للسلطة، ودعاه إلى تطبيق الشريعة ليسود دين الله الحق!

وأنا لا أذكر هذا الأمر الآن لأنني أخشى أن يعمد مُرسي إلى إقامة نظام ديني أو إعادة الخلافة كما كان حسن البنا يقول في أربعينيات القرن الماضي، فليس ذلك من همّه، فضلاً عن أنه ليس بمقدوره. بل للدلالة على طبيعة الفكر الذي نشأ عليه quot;الإخوانquot; وقام عليه تماسُكُ تنظيمهم، بحيث إنّ تسعينياً مثل جمال البنا لم يعد يذكر من quot;إنجازاتquot; الإخوان غير دعوتهم لتطبيق الشريعة. وهذا الالتباس والانكماش هو طبيعة فكر الهوية الذي ساد في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. وأساسه أن ديننا في خطر تحت وطأة الاستعمار والغزو الثقافي، وأنّ علينا الوقوف في وجه الدولة الوطنية الصاعدة والغربية المنزع، صَوناً لهويتنا الخاصة، ونُصرةً لديننا. والطريف أنّ أكبر خصوم quot;الإخوانquot; على الساحة السياسية والعامة في الأربعينيات، كان quot;حزب الوفدquot; صاحب الشعبية الكبيرة، بحيث ما استطاع أحدٌ من quot;الإخوانquot; النجاح في أيّ دائرةٍ في مواجهة مرشَّحٍ وفدي. ولذا فقد ظهرت لدى quot;الإخوانquot; منذ بداياتهم مشكلاتٌ غائرةٌ مع الديمقراطية والأكثرية وأنّ الشعب مصدر السلطات، وزاد من الإحساس بالمظلومية وبالاختيار الإلهي من جهةٍ ثانيةٍ في صفوفهم ما تعرضوا له من اضطهادٍ أيام النظام الملكي، وخلال عهود ثورة يوليو 1952، بحيث استعلت في صفوفهم منذ الستينيات رؤية الحاكمية (حاكمية الله)، والنظام الإسلامي الكامل المترتب عليها في السياسة والاقتصاد والاجتماع. وبمقتضى هذه النظرة فإن المسلمين إما غافلون عن شرع الله أو خارجون عليه، وهذا سبب ما ينزل بهم من مصائب استعلاء الأمم عليهم. والمطلوب على أيدي الفتية الذين quot;آمنوا بربهمquot; أو الطليعة المؤمنة، إسقاط أنظمة الطغيان وإقامة حكم الله في الأرض مهما كلَّف الأمر! وقد اختار قادتهم -ومن السجون- نهج الدعوة والتربية والسلم للوصول إلى ذلك. ولذا، وعلى مدى ثلاثة عقود، خرجت من عباءتهم كل التنظيمات التي ما قبلت مهادنة المستكبرين أو مُهادنة الطُغاة، بخلاف مهادنة شيوخ الجماعة واستكانتهم!

لماذا نستعيد ذلك كلَّه الآن؟ لأن الاختلال ما نال أبداً من الدين، ولا كانت الشريعة أبداً بحاجةٍ إلى تطبيق. وإنما نال الاختلال من إدارة الشأن العام، والإدارةُ هذه هي التي كانت تحتاج إلى تصحيحٍ، وفي الجمهوريات الوراثية الخالدة بالتحديد. وقد استطاعت الجمهوريات أن تُخمد معارضة واضطرابات الإسلاميين لأنهم كانوا يصطرعون معها باسم الدين، وكان ذلك يُثير توجُّسات فئات كبيرة بالداخل الشعبي، كما يثير المجتمع الدولي وبخاصةٍ بعد ظهور الإسلام الراديكالي ورمْزُهُ quot;القاعدةquot; وبن لادن، فصار كلُّ ذكرٍ للإسلام وتطبيق الشريعة، والغزو الثقافي، يستحضر quot;القاعدةquot; وأفاعيلها!

وما فجَّر الإسلاميون الثورات التي يقطفون ثمراتها الآن، بل فجّرها شبانٌ مدنيون ساخطون على سوء إدارة قضايا الشأن العام. لقد دعوا إلى الحرية والكرامة ومكافحة الفساد وتداول السلطة. وكلها شعاراتٌ لا علاقة لها بالشريعة التي يقول بها المسلمون ويَحْيونَ عقائدها وأخلاقها وعباداتها. لكنّ الشبان لا يملكون تجربةً سياسيةً ولا تنظيمية كالتي يمتلكها أهل الإسلام السياسي. ثم إن الأجهزة القائمة، ومن ورائها الدوليون، فضلوا جماعات الإسلام السياسي على الشبان الراديكاليين الذين لا يعرفون الحدود التي ينبغي التوقف عندها! ولهؤلاء الإسلاميين شعبية لدى الجمهور. لأنهم كانوا دائماً في المعارضة، ولأنهم ما شاركوا في الفساد، ولأن لهم مآثر في قضايا الفقر والتعليم والصحة والعمل النقابي. لقد وصل هؤلاء إلى السلطة إذن لحسن ظن الجمهور بهم، ولطمأنتهم للعسكر والدوليين أنهم لن يتجاوزوا الخطوط الحمر. ولا شكَّ أنّ المطلوب من كل التغييريين إنما هو تصحيح إدارة الشأن العام، وإنهاء الاختلال في المسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهذا ما تعرفه قياداتُ الإسلاميين وتريد السير فيه. إنما هناك عدة عقبات وعوائق تعترضها. وأول تلك العقبات والعوائق التربية التي نشأت عليها كوادرها، والتشدد الذي يسود في صفوفها، وهذا الخطر المستشري في الوعي، بشأن تطبيق الشريعة! وهذا ما دفع الباحث الراحل حُسام تمّام لإصدار كتابٍ قبل عامين عنوانه: quot;تسلُّف الإخوانquot;. وقد كان جمال البنا وعلى مدى عقود يحاول إقناع quot;الإخوانquot; بأنهم يستطيعون أن يكونوا حزباً معارضاً ناجحاً دونما حاجةٍ للشعارات المضلِّلة مثل تطبيق الشريعة. لكنه يبدو الآن وقد عاد إلى أُصول وعي الأربعينيات: الشريعة في مواجهة الجماعة أو الجمهور (الذي كان وقتها مع الوفد)!

وثاني تلك العوائق: الاعتراف حقاً بأن الشعب مصدر السلطات، والقول بالتالي بالدولة المدنية. فالشأن السياسي والعام شأنٌ مصلحي، أي يتعلق بمصالح الناس وليس بدينهم أو بعباداتهم، وهم أصحاب القرار فيه. والسلطات المنتخبة همها إحسان إدارة الشأن العام لتظل الثقة قائمةً ويحصل الاختيار مرةً أُخرى. ولا شأن للسلطات هذه بالأمور التعبدية والدينية التي تقتصر مهمتها فيها على تأمين حرية العقيدة والعبادة. لذا يحتاج quot;الإخوانquot; إلى الخروج من هذه التأويلات الطويلة العريضة، والقول بالفصل بين الشأنين الديني والسياسي، وليس بين الدين والدولة كما يقول العلمانيون الفرنسيون. وفائدةُ ذلك الوصول إلى النزاهة الأخلاقية، وبالتالي السياسية، والثقة بالجمهور ووعيه وثقة الجمهور بهم. والتعامل بخطابٍ واحدٍ مع الجمهور ومع الكوادر.

والإشكالية الثالثة: العمل على إحداث نهضةٍ في الشأن الديني باتجاه إخراج الدين من الصراع السياسي، والصراع على السلطة، وتوعية المتدينين بضرورات الوحدة الوطنية، والعلائق الودودة مع العالم. وكلُّها مسائل أخَلَّ بها الإسلاميون على مدى عقود. وظهرت وتظهر آثارها اليوم: في انقسام الإسلاميين إلى أحزاب متنابذة يُزايدُ كلٌّ منها على الآخَر باسم الإسلام، وفي توجُّس غير المسلمين من الإسلام كُلّه، وفي انتشار فكرة الصراع مع العالم في الثقافة والدين أو فيما هو أكثر من ذلك.

إنّ التحشيد على مدى عقود متطاولة قد اصطنع وعياً صراعياً حتى داخل الإسلام نفسه. وهذا إن صَلُحَ في زمن المعارضة، فإنه لا يصلح بعد الوصول للسلطة.