محمد خليفة

عبرت منظمة العفو الدولية عن قلقها يوم الأربعاء الموافق 23 مايو/ أيار 2012 إزاء الإفلات من العقاب الذي يحظى به، بحسب قولها، المسؤولون السابقون في إدارة بوش لجهة انتهاكات حقوق الإنسان . وانتقدت المنظمة الحكومة الكندية لعجزها عن توقيف الرئيس السابق بوش عندما كان في زيارة لكولومبيا رغم الأدلة التي تثبت مسؤوليته عن انتهاكات للقانون الدولي مثل التعذيب . ورد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش مباشرة على هذا البيان بتصريح له بأن الولايات المتحدة يجب أن تقف بجانب الإصلاحيين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ لتفسح الطريق لعمل شاق من أجل بناء مجتمعات ديمقراطية . وقد علّق بوش - الذي شن حرباً على العراق عام ،2003 والتي أطاحت بصدام حسين - على ثورات الربيع العربي قائلاً: إنها تمثل أكبر تحدٍ للحكم الشمولي منذ انهيار الشيوعية السوفيتية، والقضاء على طموحات المستبدين الذين يرون في التغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تهديداً لعروشهم، وقد طالب بوش الولايات المتحدة بأن تقوم ldquo;بدعم الزعماء المعنيين الذين تعرفهم باسم الاستقرارrdquo;، وقال: ldquo;ليس من الواقع افتراض أن ما يطلق عليه الاستقرار قد يعزز الأمن القومي، وإن الأحداث في وسط أوروبا بعد الإطاحة بالأنظمة الشيوعية المدعومة من موسكو في عام 1989 أظهرت كيف أن مشاعر السعادة الأولى بالتخلص من الديكتاتورية يمكن أن تحل محلها خيبة أملrdquo; . وأضاف: ldquo;هذا هو التحدي الآن في أجزاء من شمال إفريقيا والشرق الأوسطrdquo;، واستطرد قائلاً: ldquo;بعد النشوة، يجب على الدول أن تتعامل مع قضايا بالغة التعقيد، وأن الأمر يحتاج إلى شجاعة لإشعال ثورات حرية لأجل الأجيال القادمة، من خلال مساعدة الإصلاحيين في بناء مؤسسات مدنية، وأحزاب سياسية، وإعداد دساتير، وإجراء انتخابات وإرساء سيادة القانونrdquo; . وقال: ldquo;إنها مرحلة من مراحل تطور النظام العربي، وصراع مرير بين أحداث الماضي، ووقائع الحاضر من جهة، وبين رؤى المستقبل من جهة أخرىrdquo; .

لا شك أن ما قاله بوش آنفاً يُعد كلاماً في غاية الخطورة واستنتاجات ساذجة، وإن لم نقل سخيفة، لكنها مع ذلك تعكس فضولاً ينبض بالفاعلية، ويبحث عن علل الاختلاف الحضاري بين الشعوب . والحق أن آراءه لم تكن ثابتة ولا خالية من التناقض الذاتي، لأن ثمة فارقاً جوهرياً بين ثورة الربيع العربي، والحكم الشمولي للأنظمة الشيوعية الدكتاتورية، ولا عجب في ذلك، فمن مفارقات التاريخ الساخرة أن أعمال الإنسان غالباً ما تُفضي به إلى نتائج لم يكن يتوخاها أو يرغب فيها، حيث إن ثمة سراً عجائبياً كامناً وراء طبيعة الأحداث التاريخية؛ فكثيراً ما يجرف التاريخ بمساره الإنسان لأحداث ديناميكية، كما يقول هيغل: ldquo;هم أدوات، وليسوا بسادة الصيرورة التاريخية، لذلك فهم عناوين لحقب التاريخrdquo; . فالرئيس السابق بوش عندما كان في موقع المسؤولية خرج على العالم العربي بتصنيفات غريبة عجيبة؛ عندما صنف العرب إلى أصوليين ورجعيين، وأنهم ينظرون إلى الماضي، ويتخذون منه المُوجّه نحو المستقبل، وأنهم ليسوا بالمحافظين، وإنما بالثوار الذين يتخذون من إيديولوجية القومية المتعصبة الأساس لشرعية نظامهم، ويتزعمون أنظمة شمولية صارمة تتضاءل إلى جانبها قسوة النظام الديكتاتوري الستاليني في ما مضى . وكان بوش دائم الانتقاد للعرب، بأسلوب صريح؛ بل وجارح، ويكاد يُحمل العالم العربي المسؤولية عن كل ما يعانيه اليوم العالم من إرهاب وتخلف وتدهور إيديولوجي؛ عندما قال ldquo;إننا نخوض صراعاً إيديولوجيا حاسماً مع الإسلام والعربrdquo; . وهو طرح كان يرمي إلى تهويل العالم الإسلامي، وكان يعتقد بشكل لا ينتابه الشك بأن الإسلام في حالة انبعاث جديد، ويحقق تقدماً مطرداً إن كان على المستوى السياسي أو الإيديولوجي، وفي المقابل لا يزال الغرب غير جاهز لمقابلة هذا المد الإسلامي .

أما اليوم، وبعد صمت دام أكثر من أربع سنوات، يدعو بوش إلى الثورة والتغيير في البلدان العربية كافة، ولكن التغيير الذي يعنيه عملاً ثورياً يتناول البنية والأساس معاً، الأمر الذي يستوجب هدم الفلسفة التي تعد الأساس الذي تقوم عليه بنية العالم العربي؛ وبالتالي انهيار البنية واندثارها، بحيث يؤدي إلى تدهور الفعل السياسي العربي وإلى الاختلاف في الكلمة والتباين في الموقف، والفرقة في القرار، ما يؤدي إلى الإحباط والضياع . ونسي - بوش - أنه هو الذي مزق خريطة العلاقات العربية، ودفع بالعراق إلى الانتحار، واتخذ قرار الحرب بمعزل عن الحقيقة، والدافع والضمير الأخلاقي، وقتل وشرد الملايين، فهو - بوش - لم يستنطق الحوادث والأشياء، ولم يتدبر الأسباب ونتائجها؛ حتى أصبحت العراق اليوم - بعد هذه الحرب - مُجلبة على جميع أشكال الضوضاء والدخان والطين، وكأنها المخبأ الظلامي تصطرع فيه الأفكار والأشباح، وتعيش على شفا حرب خفية مترعة بالنزاعات الطائفية، تغذيها أطراف إقليمية .

الرئيس الأسبق بوش كان المسؤول الأول والمباشر عن تدمير العراق، وبطريقة ديناميكية غرائزية، أعادت للأذهان غارات التتار والمغول، وهي المأساة التي أثخنت عنفوان الأمة العربية بالجراح الدامية، وأن سبب كل ذلك لا يعود فقط إلى افتقاره اليوم إلى روح المسؤولية المحاسبة للماضي، والمخططة للمستقبل على أضواء عالم الواقع، بل يعود ربما أيضاً إلى أنه مصاب بمرض بما يعرف بالهلوسة التصغيرية microptical hallucination، وأن هذا النوع من الهلوسة الذي يُري الإنسان الأشياء وقد تضاءلت حجماً، والأمور قد تصاغرت أهميتها وقوتها، حتى ولو تسبب فاعلها في إحراق أو تدمير دولة بكاملها، وهذا نوع من التفكير ينكر الواقع والمحسوس ويستكبر على الحقيقة، وهذا ما يجعله يقضي على الماضي ويجهض المستقبل؛ فهو في عقله الباطن لا يشعر بالندم، حيث تبدو له الأشياء والأشكال على غير حقيقتها . وهذا ما ينطبق على الرئيس بوش الذي يريد أن يكون العالم العربي نسيج وحدة في الأيديولوجيا والسياسة وفق المنهج الغربي، بحيث تُفضي إلى تفكيك أخلاقيات شعوبها السياسية والاجتماعية، وفقاً لقوانين الخيال، وذلك بإبراز سعادته أكثر كلما نزلت الكوارث وحل الخراب والدمار بالعالم العربي؛ إنها الرغبة في التشفي وشقاء الغير وفنائه .