عبدالله السويجي

الفوضى، هي أدق كلمة يمكن استخدامها لوصف ما يحدث في أجزاء كثيرة في العالم العربي، وتتسلسل منها مفردات مثل الفوضى الوطنية، الفوضى الدينية، والفوضى الفكرية، والفوضى الإبداعية والثقافية، والفوضى السياسية، والفوضى الانتمائية، والفوضى الاقتصادية . . وهي بكل المقاييس، ليست الفوضى الخلاقة التي دعت إليها كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد جورج بوش الابن . وهذا التوصيف لا يعني أن العالم العربي كان يعيش استقراراً في ظل دولة القانون، وإنما كان يعيش في ظل فوضى من نوع آخر، ظاهرها الاستقرار وباطنها النار التي تتململ تحت الرماد، ولنقل هي الفوضى التي استقرت وأخذت شكلاً معيناً دفعت ثمنها ولاتزال، شرائح كثيرة من الشعوب . أما الفوضى العربية التي كانت مستقرة فكانت ولاتزال، تظهر جلية عبر الانقسامات السياسية والاقتصادية والتشرذم في التحالفات الخارجية، وهكذا يمكننا وبشكل سريع أن نصل إلى نتيجة تقول إن الفوضى تضرب جذورها عميقاً منذ أن تم تقسيم الدول العربية على الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، الذين استخدموا تأدباً، كلمة انتداب، بدلاً من الاستعمار . هؤلاء هم الذين زرعوا نواة الفوضى بإتقان شديد، عبر ترسيم حدود الدول العربية، ونشوء دول أو دويلات، وتنصيب شخصيات موالية . ولم تنجح (الثورات العربية) التي تلت ذاك التقسيم أو الانتداب، في قيام دول ذات سيادة، كما أنها لم تنجح في وضع أنظمة حكم مستقبلية، تضمن الانتقال السلس والسلمي من عهد إلى آخر، ففي معظم الدول، تحول زعماء الثورات إلى شخصيات مستبدة، تركت فراغاً كبيراً بعد رحيلها، وبهذا، يكون قد أسهم في الفوضى عنصران: المستعمر الذي ادعى أنه سيعمل على استقلال الدول التي خضعت للانقلاب، وأنظمة الحكم التي قامت بانقلابات ونصَّب أصحابها أنفسهم ملوكاً في جمهوريات، وأباطرة في ديمقراطيات، ولم يهيئوا بلادهم للانتقال إلى مرحلة ناضجة ومتطورة، ولم يخططوا لتنمية بشرية لشعوبهم إلا وفق انتماءاتهم السياسية والعقائدية والحزبية، وبما يرسّخ حكمهم لأطول مدة ممكنة، أي تم استبدال الاستعمار بأنظمة لا تختلف كثيراً عن الاستعمار القديم إلا باللغة .

إن ما يحدث اليوم من فوضى يشبه إلى حد كبير تلك الفوضى التي نشأت عن وضع البلدان العربية تحت الانتداب الفرنسي والإنجليزي، ويشبه تلك الفوضى التي نشأت بعد استقلال الدول، وكل ذلك لم يحدث بتلقائية، لا سياسات الانتداب، ولا سياسات الثورات، بل كان بإيعازات من قوى تحرص على أن يبقى الوطن العربي في أتون فوضى لا تنتهي، وبذلك، تحمل ملامح الفوضى الحالية ملامح العهدين، الانتداب، والانقلاب .

العهدان وإن اشتركا في ملامح كثيرة، إلا أنهما مختلفان، فالعهد الأول (الانتداب) لعب بأوراق الدين والمذهبية والقبلية والعرقية، أما العهد الثاني، عهد الاستقلال، فلم ينتبه إلى هذه اللعبة، فقمع الدين والمذاهب والقبائل، وامتطى قوته ومذهبه وفكره وعظمته، ليكرس ذاته بكل أبعادها، وحين رحل، تمت إزاحة الرماد عن النار المحتقنة، فامتدت ألسنتها، وفي هذه المرحلة بالذات، عاد اللاعبون الأوائل ليستخدموا الأساليب القديمة نفسها: إشعال الطائفية والمذهبية والقبلية، ولكن هذه المرة عن طريق (الديمقراطية)، المصطلح الذي يقطر دماً، وتعمل جاهدة هذه المرة لتقسيم الوطن العربي بحدود جديدة، وتقسيم كل دولة إلى دويلات تعتمد المذهبية والعرقية والدين، ومن يشك في هذا الطرح، ما عليه إلا أن يبحث عن خرائط الشرق الأوسط الجديد على الشبكة العنكبوتية، فتتضح له الصورة تماماً، وهذا الكلام لا يستند إلى نظرية مؤامرة أو غيرها، لأنه يحدث أمام أعيننا، لكن اللاعبين المتجددين يستخدمون سلاحاً قديماً جديداً يتمثل في الأحزاب الدينية، ويغذون الانقسامات في ما بينها، ويزكونها بالأفكار العجيبة، فينقسم الإخوان المسلمون إلى أكثر من حزب، وينقسم السلفيون إلى أكثر من تنظيم، أما الأحزاب الأخرى التي تنادي بالديمقراطية والليبرالية والعلمانية، فأياديها ناعمة، ولم تقتنع بعد، بأن الديمقراطية التي يريدها الغرب للعالم العربي، ليست هي الديمقراطية التي يمارسونها في بلدانهم، لأن بلدانهم ولسبب بسيط جداً، لا توجد دولة تسمى ldquo;إسرائيلrdquo; في قلبها، وبالتالي، يمكن أن يكتب لها الاستقرار، أي ديمقراطية مستقرة، وليست ديمقراطية الفوضى أو فوضى الديمقراطية، كما يحدث الآن .

إن ما تقدّم لا يعني بأي حال من الأحوال، أن كاتب هذا المقال ضد الديمقراطية أو الاستقرار، أو أنه مع الفوضى المستقرة التي تراكمت عبر سنوات من البطش ومصادرة الحريات ونهب خيرات الشعوب، إنه مجرد توصيف لحالة نعيشها أمام أعيننا وتجرح أرواحنا مع كل نشرة أخبار، حتى أننا، كعرب، بدأنا نعتاد القتل ورؤية الدم، قتالنا في ما بيننا، ودمنا الذي لم يعد غالياً أو محرّماً على أحد، وبيوتنا صارت تنتهك بشكل سافر وبأيدينا، أما العدو الحقيقي: الكيان الصهيوني، والجهل، والظلامية والتطرف وضيق الأفق، فإنها تعيش في ازدهار وفرح .

إن ما يزيد خطر الفوضى هو انتشارها في الشكل كما في المضمون، وهذا يشبه تماماً تفشي السرطان في الجسد والروح، فيتركه نهشاً للسقوط وطقوسه المريرة، ولكن أجساد الدول غير أجساد الأفراد، ويمكن علاجها وتدارك سقوطها، وهذا يحتاج إلى حكمة أنبياء وأرواح قديسين ونوايا الطاهرين، وإلى أصحاب قيم وأخلاق عالية وكريمة، أياديهم نظيفة وقلوبهم نقية، وفكرهم صاف، ويكونون أحراراً في قراراتهم وسياساتهم، وينشرون العدل والأمان بين الناس، وهذا أضعف الإيمان، وأن يخرجوا من التحالفات الخارجية التي لا تفكر إلا بمصالحها وسحب خيرات الدول الضعيفة، تماماً، كما كان يفعل الاستعمار القديم .