سمـير حمدي

بعد أحداث السفارة الأمريكية تصدر التيار السلفي في تونس المشهد الإعلامي وأثار الانتباه حول جذوره وعوامل نشأته ومدى انتشاره ومرجعيته الفكرية.
من الناحية التاريخية يعتبر التيار السلفي حديث النشأة واغلب عناصره شابة وتربت في غياب التيار الإسلامي المركزي، ممثلا في حركة النهضة، وغالبية المصادر الفكرية لهذا التيار تجد أصولها لدى مرجعيات دينية مشرقية، مثل أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني وأيمن الظواهري (بالنسبة لما يُعرف بالسلفية الجهادية) أو لدى شيوخ السلفية السعوديين، مثل بن باز وبن عثيمين أو الألباني، بالإضافة إلى رموز ما يُعرف بالمداخلة (وأشهرهم ربيع المدخلي وسعيد رسلان)، وقد تعرض عناصر التيار السلفي وقياديوه إلى الاضطهاد في ظل نظام المخلوع، وحوكموا محاكمات غير عادلة ولم يطلق سراحهم إلا بعد الثورة. وفي ظل التحولات السياسية التي شهدتها تونس عرف التيار السلفي بدوره حراكا داخليا وتجاذبات مختلفة، سواء في علاقته بالقوى الإسلامية الأخرى أو في علاقته بالحكومات المتعاقبة منذ سقوط نظام الاستبداد. فكيف يمكن تشخيص وضعية التيار السلفي في الخارطة السياسية التونسية بعد الثورة؟ وهل سيتطور في أشكاله السياسية نحو نوع من الحزبية، أم سيظل يراوح مكانه بوصفه تيارا عقديا احتجاجيا غير قادر على التفاعل مع الشأن العام؟ وما موقف السلفية الجهادية من العنف وأي مستقبل تنفتح عليه علاقتها بالسلطة وبالتشكيلات الفكرية والسياسية الأخرى في المجتمع؟
بداية يمكن القول ان التيار السلفي ليس متجانسا أو موحدا، وإنما ككل التيارات السياسية والعائلات الإيديولوجية الواسعة تشقه تناقضات واختلافات في التقديرات وفي فهم طبيعة المرحلة السياسية الراهنة، فإذا كان ما يعرف بالسلفية العلمية لا تركز بصورة حادة على الاشتغال بالشأن السياسي وتكتفي بالتركيز على الإصلاح العقدي، غير أنها تشكل ثقلا من الناحية الجماهيرية، ومن أبرز رموز هذا التيار الشيخ البشير بن حسن وهو عالم دين شاب يتمتع بجماهيرية واسعة في صفوف المتدينين، بغض النظر عن خلفياتهم السياسية (بما فيه أنصار حركة النهضة)، في المقابل فإن ما يعرف بالمداخلة ظلوا في نمط من الصدمة السياسية، وهم الذين عرفوا بولائهم للنظام القائم مهما كان ويرفضون كل أشكال الخروج عليه، وتؤكد الكثير من الأوساط أن هذه المجموعات السلفية المدخلية قد عرفت اختراقات أمنية واسعة أيام بن علي إلى الحد الذي يمكن معه القول ان قسما منهم هو مجرد صنيعة لبوليس 'أمن الدولة'.


أما التيار السلفي الجهادي (بحسب المصطلح ) فهو يرفض العمل السياسي الحزبي وإن كان ينضوي حركيا تحت مسمى تنظيمي فضفاض هو 'أنصار الشريعة'، ومن أبرز رموزه (الشيخ الخطيب الإدريسي) وأيضا سيف الله بن حسين المكنى (أبو عياض) . ورغم أن التوجه العام للتيار السلفي الجهادي ينزع نحو مهادنة الدولة واعتبار تونس بعد الثورة أرض دعوة لا أرض جهاد فإن أحداث السفارة الأمريكية وما صاحبها من أعمال عنف وسقوط عدد من القتلى جعل المراقبين يتساءلون حول طبيعة العلاقة الممكنة بين النظام السياسي القائم بعد الثورة وهذا التيار، وإذا كان زعيم التيار وشيخه أبو عياض قد أعلن في كلمة ألقاها بأحد المساجد عن رفضه الانجرار للعنف فإن طريقته المتحدية في التعامل مع الأجهزة الرسمية جعلت كثير من القوى تدعو إلى اتخاذ موقف قوي من هذا التيار ورموزه..
ويمكن اختصار أهم ملامح المشهد السياسي للتيار السلفي في النقاط التالية :


ـ لا ينتظم التيار السلفي بأجنحته المختلفة في إطار حزبي أو تنظيمي واضح وبشكل معلن من دون أن يعني هذا غياب نواة تنظيمية ما لكنها لا تجمع كل القوى السلفية.
ـ ما يلاحظ لدى المجموعات السلفية المختلفة أن ولاءها لشيوخها أكثر مما هو لهيكل تنظيمي مؤسساتي.
ـ يبدو أن الوعي لدى التيار السلفي التونسي بضرورة المشاركة في إدارة الشأن العام لا يزال مذبذبا وربما جنينيا خلافا للقوى السلفية في دول الربيع العربي الأخرى (التيار السلفي في مصر وفي اليمن على سبيل المثال) وقد أكد ابوعياض هذا الأمر بقوله انه ترك الصراع على الكرسي للأحزاب الأخرى، دون أن يعني هذا غياب أشكال من النشاط السياسي لاتزال غير واضحة الغاية والوسيلة، ويلعب هذا الغموض دورا سلبيا في التعامل مع السلفية بالنظر إلى ما يثيره من تخوف لدى قطاعات واسعة من السياسيين..
ـ تتراوح علاقة عناصر هذا التيار بحركة النهضة بين التجاذب أحيانا وصولا إلى أشكال من التعاون الظرفية أحيانا أخرى، فقد رفض بعض العناصر السلفية المشاركة في الانتخابات واعتبروا المجلس التأسيسي مجلسا كفريا يتولى التشريع الذي لا يجوز لغير الله تعالى، وقد تم انتقاد حركة النهضة في نهجها السياسي بالنظر إلى ما يعتبرونه تنازلا سياسيا أمام القوى العلمانية، بل ويصل بعض المتشددين إلى حد نعت الحركة بالتميع (خاصة على خلفية موقفها من التنصيص على مصدرية الشريعة في الدستور) وقد جاءت الأحداث الأخيرة لتزيد في الاحتقان بين التيار السلفي الجهادي وحركة النهضة، التي وجدت نفسها مرغمة للتصرف بمنطق الحزب الحاكم والمسؤول عما يمكن أن يلحق البلاد من فوضى واضطراب، غير أن هذا لا ينفي وجود تعاون واضح بين السلفية العلمية وحركة النهضة في الحملة الانتخابية الماضية وفي التأييد الذي أعلنه الشيخ البشير بن حسن لمرشحي حركة النهضة على أساس أنها الخيار الأمثل في الساحة السياسية بمختلف أطيافها.


ـ تحاول الترويكا الحاكمة في تونس تجنب الدخول في مواجهة مفتوحة مع التيار السلفي بالنظر إلى حالة الاهتزاز الأمني التي تعرفها البلاد ما بعد الثورة وتسعى إلى حل ما يطرأ من إشكالات أمنية بنوع من التكتيك الذي يجمع بين المتابعة الأمنية النشيطة وغض الطرف عن النشاطات الدعوية والخيرية لهذا التيار.
ـ يشارك السلفيون في النشاط الجمعياتي بشكل واضح سواء في المجال الدعوي وأيضا في المجال الخيري والإنساني.
وخلاصة القول ان التيار السلفي يتميز بكونه تيارا فتيا ناشطا غير أنه يفتقر إلى التماسك وغياب الخبرة السياسية والتنظيمية والتأصيل النظري لوضع ديمقراطي جاءت السلطة فيه عن طريق انتخابات شعبية حرة. ومن الأكيد أن الواقع سيكون أحسن معلم للقوى السلفية، فالضغوط الإعلامية والتجاذبات السياسية والحياة الحزبية ستدفع سلفيي تونس إن آجلا أو عاجلا إلى التشكل التنظيمي والحزبي، خاصة أن كتلتهم الشعبية تفوق حجم الكثير من القوى الحزبية الناشطة على الساحة، غير أن هذا التشكل سيكون مشروطا دائما بتوفر حد أدنى من الوعي السياسي وتجاوز منطق القطيعة مع المجتمع والصراع مع السلطة نحو نوع من التوافق على الأدنى الديمقراطي للتعايش بين جميع الأطراف بغض النظر عن الصراعات الفكرية والنزاعات العقائدية والتي تظل أمرا طبيعيا ومشروعا في كل الأحوال خاصة في ظل نظام ديمقراطي وتعددي هو بصدد التشكل في تونس ما بعد الثورة.