مطاع الصفدي

إذا كان من حق مصر أن تحتفل بانقضاء أربعين عاماً على استرجاع قناة السويس وسيناء من المحتل الإسرائيلي، إلا أنه من حق مصر الثورة والدولة، والعرب جميعاً معها أن تعلن تحرير تاريخها وتاريخ العرب وراءها من أعباء الثمن القومي والاجتماعي بل الكياني الفادح وغير المسبوق الذي تكلفت دفعه النهضة العربية المعاصرة لنهاية القرن العشرين وامتداده إلى القرن الواحد والعشرين الحالي، لقد فقدت النهضة حريتها الوجودية طيلة هذه العقود الأربعة، ليس هذا فحسب، بل اضطرت هذه النهضة إلى التنازل عن معظم وعودها التاريخية مع حاضرها ومستقبلها ـ طيلة العقود الأربعة المشؤومة هذه كادت النهضة أن تتجاهل شخصيتها الإنسانية، أن تقلد نماذج الحضارات البائدة، أن تستعير تجارب أعدائها الفاشلة، أن تلقي على وجوه شعوبها الأقنعة الشوهاء من الأيديولوجيات الزائفة المستهلكة لدى أصحابها الأصليين.
أربعون عاماً دخلت النهضة عبرها أشق ما تعانيه الأمم الفاقدة لحرياتها العادية من محن الردات الكيانية إلى ما قبلَ عصر الدولة والمجتمع والإنسان، أربعون عاماً كانت أنظمة الحكم هي الفاعلة وحدها، ومجتمعاتها هي المعطلة حضارياً وإنسانياً عن ممارسة أضعف حقوقها العادية، كانت التغيرات الموصوفة بالعامة هي من شأن سادة تلك الأنظمة، ومن ابتكار أمزجتها الشخصية، وتحت رعاية مصالحها الآنية. هذا لا يعني أن الشعوب العربية استكانت لأقدارها السلطوية تلك، الجاثمة على صدورها، لقد أنتجت موجاتٍ من طلائع الفكر والسياسة؛ وكان هؤلاء من دعاة أخلاق التضحية بالمنافع الصغيرة أملاً وإيماناً بتكريس الذات كلياً لما كان يعتبرونه تحريراً لإنسانية مجتمعاتها من أعطال تخلفها التاريخي والبنيوي، من جهة، ومن ديمومة الغدْر الأجنبي بمحاولات النهضة العربية تصحيحَ عثرات حكامها المفروضين فرضاً على غالبية (أمتها).
إنها الحقبة المشؤومة التي يمكن أن يتصدرها عنوان مزدوج الدلالة هكذا: تأصيل وجود إسرائيل كدولة مستقرة في صميم الجغرافية العربية مقابل التصفية العملية والاستراتيجية المتكاملة لعوامل النهضة القطرية والقومية للعرب وخاصة لقواهم الدفاعية في وقت واحد. لم تكن معاهدة كمب ديفيد مجرد إتفاقية (سلام) بين مصر وإسرائيل، لقد تم تصميمُها لتحقيق مبدأ منع الحرب نفسه، بين كل أو أحد من العرب ضد الكيان الصهيوني، هذا المبدأ قلب ميدان الصراع وخارطته من حال المواجهة العربية المستدامة مع الكيان اليهودي الدخيل، التي شكّلت المحور الحركي الأول لجماعية السياسة الإقليمية والمحلية لمجموع العالم العربي وأمنه القومي الشامل، ثم تحويل هذا المبدأ إلى نقيضه تماماً، إلى داخل الكينونة العربية عسكرياً وإجتماعياً وسياسياً.
أربعون عاماً قضاها العرب في تفعيل أزماتهم الذاتية مع أنظمتهم، مع أوضاعهم السلطوية والأهلية، صارت حروب العرب مع إسرائيل معدومة الوجود لصالح حروبهم السياسية داخلياً فيما بين الأهم من أقطارهم، ونوع حروبهم الأهلية المتنقلة علنياً أو سرياً من قطر إلى آخر. فأول وأشقى حرب أهلية مضطردة اشتعلت نيرانها المدمرة في ظل مفاوضات السلام، المؤدية إلى توقيع المعاهدة البائسة، في أرجاء القطر العربي الأجمل لبنان، وقد لعبت فصولها الجهنمية المتلاحقة دور التغطية الحركية، على عواقب تلك المعاهدة، كان من المفترض إشغال الحياة السياسية العربية بهموم المقتلات اليومية؛ في لبنان والحيلولة دون أي تدخل عربي لوقفها، ما عدا السوري طبعاً، وكذلك تعطيل كل إمكانية سياسية أو عسكرية مضادة، عاملة على إستعادة المبادرة في تنظيم جبهات عسكرية ذات طابع قومي ضد إسرائيل وهادفة يوماً ما إلى إسقاط كمب ديفيد، وأكثر من ذلك فقد انتقلت إسرائيل إلى مرحلة الهجوم، فغزت لبنان بجيوشها، وحاصرت بيروت لثلاثة أشهر على مرأى من جميع العرب، دون أن يبادر أي بلد عربي لنجدة لبنان أو حتى لإطلاق بعض التهديد السياسي؛ فقد طاردت إسرائيل منظمة التحرير الفلسطينية إلى عقر دارها، أخرجت زعيمها ورجاله ومعظم قواته العسكرية من لبنان، كانت أنظمة العرب جميعها شبه مشلولة، مسمرة في مقاعد المتفرجين على النكبة الجديدة، ليس لفلسطين وحدها هذه المرة، بل لأمة الأنظمة الحاكمة، وفي المقدمة النظام السوري الذي كان جيشه يحتل لبنان آنذاك، وشارك بعضه في مطاردة القائد الفلسطيني (أبو عمار) لإلقاء القبض عليه أو لقتله، وهو محاصر في مدينة طرابلس، لولا أن بارجة فرنسية أنقذته هو وحاشيته، في ميناء طرابلس.
خلال عقد الثمانينيات اندلعت أوحش حرب إقليمية بين العراق وإيران، مع استمرار مسارح المقتلات الجماعية والطائفية في لبنان هذه الفصول الكارثية التي عمّت المشرق حتى العمق العراقي والإيراني، لم تكن لتقع وتتابع مهالكُها لو لم تكن الإرادة العربية الكلية قد تنازلت طوعاً عن أبسط واجباتها الأخلاقية وليس القانونية فحسب في ممارسة حق الدفاع عن الأمن القومي لدولها وشعوبها، كان ذلك الواقع المنكوب هو المحصلة المنتظرة لمفاعيل إستراتيجية السلام الصهيوني، المفروض على كامل الوطن العربي بفضل تخاذل أنظمته الحاكمة الفاشلة، فقد أمست هذه الأنظمة في جملتها، مصنفة في خانة الحلفاء الموضوعيين للغاصب الإسرائيلي الذي لم يعد يحتل فلسطين ديموغرافيا أو عسكرياً فحسب، بل احتل سياسياً وأخلاقياً كذلك عقل السلطة العربية في معظم أقطارها، كبّل أيديها، وشلّ إحساسها بكرامة شعوبها تحت وطأة الغطرسة الصهيونية.
ما يمكن قوله، وفق نظرة متراجعة إلى الماضي القريب قليلاً، أن إسرائيل فرضت سلامها الخاص على مجمل العالم العربي من حولها. هذا السلام كان له معنى واحد بالنسبة للجانب العربي، وهو أنه نوع من الاستسلام لأمر واقع، تنصبّ مزاياه ومنافعه كلياً في صالح المشروع الصهيوني الذي سوف تطوره أمريكا الى مصطلحها الأثير حول (الشرق الأوسط الجديد)، وهو المشروع الذي سيوفر للدولة اليهودية كل عوامل الاستقرار والاستقواء، دون الخشية من أية ردة عربية ضدها، في الوقت الذي تنحدر فيه أقطار العرب الرئيسية داخلياً إلى غابات من الصراعات المتفجرة ذاتياً مع (وحوشها النائمة) من بؤر العنصريات والطائفيات والمذهبيات.
غير أنه بقدر ما تُذلّ وتُهان الجماهيرُ الكبيرة تحت ضغط القمع السياسي البوليسي الذي مارسته أنظمة الحكم، وهي متطوعة في وظائف الحراسة الأمنية للواقع الانهزامي والاستغلالي الذي وحد دول المنطقة العربية تحت شروط العجز الحضاري والنزيف الاقتصادي والانهيارات الاجتماعية المتلاحقة؛ فإن كبت الإذلال هو صانع براكين الثورات القادمة لا محالة. فالربيع العربي لم تنفجر أحداثه بالصدف العابرة، ولم تهبط أحداثه هكذا من فراغ التاريخ القومي من أسراره، بل أصبح هو الآتي بمبادرات الرد الأنطولوجي المنتظر على الزمن العربي الرديء الذي طال أمده لأربعين عاماً، بل لما يقرب من نصف قرن، إذا ما عدنا إلى بداية الذل الأكبر مع الهزيمة العسكرية لعام (1967)، فتلك الكارثة سجلت هزيمة الجيوش العربية مجتمعة، وفي طليعتها جيشا مصر وسورية، لكن حرب الخامس من أكتوبر (1973) سجلت الهزيمة الأشمل، بنتائجها السلمية الملغومة، حيثما استهدفت ضرب العرب في الصميم من مشروعهم النهضوي المعاصر.
مصر العظيمة التي استكانت لأربعين عاماً، ولو ظاهرياً، هي التي عليها مجدداً أن تستأنف إحياء المشروع النهضوي، أن تنشله من عثراته الماضية، أن تغسل عنه أوحالَ الصهينة التي لوّنت مياه النيل. لكن النيل العظيم راح يجرفها من ثورة إلى أخرى. وفي هذه اللحظة التاريخية التي يمنع فيها (أوباما) رشوة المنحة الأمريكية لجيش (العبور) مقابل تقيّده أو استسلامه لبنود كمب ديفيد، لم تكون مصر وحدها، بل معها الربيع العربي، سوف يستردان معاً معناهما الأنطولوجي، مصر المستغنية عن الرشوة الأمريكية الصهيونية إنما تستأنف مسيرة تحررها الوطني الذاتي برفقة أمتها العربية، كما كانت حالها دائماً، وفي المفاصل الرئيسية من وثباتها الحضارية المتتابعة.
ما يخيف إسرائيل وأوباما في هذه الثورة المصرية الجديدة، هو كونها أثبتت أنها عصية على التزييف، هولاء شبيبة الميادين الواعين لم يكونوا هم أصحابها، الأوائل بدون منازع فحسب، بل تحولوا سريعاً إلى وظيفة حراسها الأمناء على مراحل تطورها، حموها من أخطر اختطاف بأيدي الظلاميين. ما يخيف أعداء مصر أن الثورة دمرت حصن الاستبداد الأول، صنيعة كمب ديفيد، بزعامة مبارك الذي كان سفيراً لتل أبيب مقيماً في قصر رئاسة الجمهورية، كذلك فإن الشبيبة الذين كانوا يقودون مظاهرة جماهير الثلاثين مليوناً، فريدة مثالها عالمياً، حرر هؤلاء جميعاً من مصر وثورتها من قبضة (الأخونة)، من مخطط الاستبداد الفاشي الجديد.
لقد أسقطت ثورة الثلاثين من يونيو مشروع النسخة الثانية لمعاهدة كمب ديفيد، واليوم يعترف الأمريكيون واقعياً بهذا السقوط، فيقررون سحب رشوتها بعد أن فقدت جدواها، حسناً فعلوا!