لم يعد المحتوى تفصيلاً في هامش الحياة العامة، ولا رفاهية تُستهلك ثم تُنسى. نحن نعيش زمنا أصبحت فيه الكلمة أشبه بمفتاح صغير يفتح أبواباً ضخمة في وعي المجتمعات وفي مزاج الأسواق. تغريدة واحدة قد تغير صورة منظمة، ومقطع فيديو لا يتجاوز ثلاثين ثانية قد يحول اتجاهات الشراء، أو يصنع موجة تعاطف، أو يخلق توجساً يسبق الحقائق. إنها لحظة تاريخية دقيقة: حيث لم تعد القرارات الكبرى تصنع فقط في غرف مغلقة، بل تُطبخ أحيانا في فضاء مفتوح تُديره العاطفة أكثر مما تديره البيانات.
في السابق، كان الإعلام يقدم الواقع للناس، ويترك لهم تفسيره. أما اليوم، فقد أصبح المحتوى لا يصف الواقع فقط، بل يعيد تشكيله. فالفرق بين إعلام يخبر وإعلام يوجه يشبه الفرق بين مرآة تعكس صورة، وبين يد تعيد ترتيب ملامحها. الإعلام الذي يخبر يقدم الحدث، لكن الإعلام الذي يوجّه يحدد: ما الذي يستحق الاهتمام؟ وكيف ينبغي للرأي العام أن يشعر به قبل أن يفكر؟ وهنا يصبح المحتوى سلطة ناعمة، لا لأنها تفرض الأوامر، بل لأنها تعيد رسم الأولويات في عقول الجماهير عبر رسائل هادئة غير مباشرة.
تتسم الأسواق بطبيعتها بالاعتماد على الإشارات الواضحة والإيقاع المتزن، بينما يتميّز المحتوى الحديث بالسرعة والقدرة على جذب الانتباه عبر لحظات لافتة ومكثفة. وهنا تظهر علاقة تكامل دقيقة بين المنصات والاقتصاد: فالأسواق تحتاج إلى سرديات مفهومة تساعدها على بناء الثقة، والمنصات تمنح الأفكار قدرة على الوصول السريع وتوسيع دوائر الانتشار والتأثير. وفي هذا التفاعل، قد تتحقق المستهدفات عندما تدار الرسائل بذكاء، وتتحول سمعة المنظمات إلى أصل استراتيجي يعزز قيمتها على المدى الطويل، وتصبح الثقة رافعة حقيقية تتقدم حتى على السعر أحياناً، وهنا يصبح المحتوى بوابة الثقة.
لكن التحول الأعمق لا يتعلق بمحتوى المنظمة وحدها، بل بالمجتمعات في علاقتها ببعضها. فالمحتوى اليوم لا يعبر الحدود كخبر، بل يعبر بوصفه انطباعاً. تنتقل الكلمات من مجتمع إلى آخر محملة بنبرة، وبقيم، وبتصور أولي. وبذلك تتشكل الصور الذهنية المتبادلة ليس عبر المعرفة المباشرة، بل عبر سرديات رقمية تختصر الشعوب في لحظة واحدة: لقطة، تعليق، وسم. ومن هنا يولد نوع جديد من التواصل الدولي بين المجتمعات: تواصل سريع، شديد التأثير، لكنه أحياناً محدود العمق، لأن فهمه يعتمد على الانطباع لا على المعرفة المتراكمة.
الخلاصة: إدارة المحتوى لم تعد مسألة تسويق أو إدارة حضور رقمي، بل مسألة إدارة قرار بمعناه الاجتماعي والاقتصادي. من يفهم كيف تُصنع القناعات يفهم كيف تُصنع الاتجاهات، ومن يدير الاتجاهات يملك تأثيراً يفوق مناهج التأثير المعتادة. في النهاية، ليست الكلمة مجرد تعبير، إنها مسار. والكلمة التي تُقال اليوم قد تصبح قرارًا يدفع ثمنه لاحقاً. في زمن تتقلب فيه القناعات بسرعة، لا ينتصر من يملك الصوت الأعلى، بل من يملك القراءة الأهدأ.

















التعليقات