يقول الوزير السابق عادل أفيوني، وهو خبير مالي دولي، إن «تغييرَ النظام وإصلاحه من الداخل بالعمل مع بعض الطبقة الحاكمة وبطريقة تدريجية لإنقاذ البلد، نظريةٌ أثبتت فشلها ألف مرة».
سبب التذكير بهذا التقييم من تجربة وزارية، اعتذر صاحبها عن المشاركة في الحكومة الحالية، هو ما يواجهه لبنان اليوم كأنه بلدٌ عصيٌّ على التغيير، فيما التعافي والاستقرار رهن حلول حقيقية في مسألتين محوريتين: حصرية السلاح، والإصلاح.
ويبرز الاستعصاء رغم الإعصار الهيولي على خلفية كارثة «طوفان الأقصى»، والزلزال اللبناني بعد جريمة حرب «الإسناد»، وقبلهما نكبة الانهيار المالي المبرمج، الذي طال المال العام والودائع؛ مما أفقر البلد وأذل مواطنيه. ويقدم الأداء الرسمي صورة كالحة رغم مرور عام على بدء ولاية الرئيس جوزيف عون، و11 شهراً على قيام حكومة نواف سلام.خطاب القسم، ثم البيان الوزاري الذي على أساسه نالت الحكومة الثقة، حملا وعوداً وتعهدات، وأطلقا تفاؤلاً وتسونامياً شعبياً داعماً، لم يعهده أي عهد منذ «اتفاق الطائف» قبل أكثر من 35 سنة.
منذ اللحظة الأولى بدا أن التحدي يفترض الكسر مع زمن منظومة التسلط المسؤولة عن التفريط في السيادة، واستبدال «الدولة الطبيعية» بـ«الدولة المزرعة» التي تحاصصتها ميليشيا المال والسلاح.
كان واضحاً أنه لا أولوية تفوق استعادة السيادة بوجهيها: بسط سيادة الدولة بقواها الذاتية؛ ليستعيد لبنان مكانته والقدرة على خوض مواجهة دبلوماسية تُعرّي أطماع العدو وتحاصره، على طريق إنهاء الاحتلال الذي استدرجه السلاح اللاشرعي. وبسط السيادة المالية؛ لأنها الوجه الآخر في مسار استعادة الثقة على خلفية إنقاذ ودائع الناس، وهيكلة «القطاع المصرفي» بوصفه بديلاً عن «مصارف زومبي» مرآة للفساد.
وتفترض السيادة المالية ولوج إصلاح حقيقي، يثبت للعالم أنه أُرسي في لبنان نظامٌ شفافٌ يحمي مال المودع والمستثمر، ويحاسب من أثري على حساب الناس.
بعد 420 يوماً على «اتفاق وقف الأعمال العدائية»، و330 يوماً على قيام الحكومة، ما تحقق لجهة حصر السلاح جنوب الليطاني «مهم؛ وغير كافٍ»؛ فلبنان لا يملك ترف الوقت لتنفيذ الاتفاق: نزع السلاح في كل لبنان، وتفكيك البنى العسكرية لـ«حزب الله» والتنظيمات الأخرى، التي يتغطى بعضها بلباس مجموعات كشفية؛ لأنه من خلال ذلك تُبسط السيادة، وتتولى القوى الشرعية حماية الأرواح والأرض.
إن الممر الإجباري لذلك يكون بوضع حدٍ لاستقواء لا مقومات له؛ مما يعني مغادرة السلطة زمن السكوت عن ترهات بلغت بالأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، حدّ القول: «تجريدنا من السلاح... طويلة على رقبتكم»، والرد على دعوة الرئيس إلى العقلانية، بقوله: «المقاومة هي الأعقل»... و«العاقل ليس من يقدم التنازلات لإسرائيل؛ بل من يحفظ قوتنا»، قافزاً بذلك فوق مسؤوليته الشخصية والحزبية عن تنازلات خطيرة في اتفاق وقف النار منحت العدو الإسرائيلي «حق» استباحة البلد متى يشاء وأنّى يشاء، وها هو مستمر في القتل والتدمير يومياً، مقابل عجز مطلق من «حزب الله» الذي توسل لوقف النار بأي ثمن، فأسقط من الاتفاق أي إشارة إلى عودة المهجرين وتحرير الأسرى!
واضح أن لبنان لم يلج زمن إعادة تأسيس جدية بعد عقود تبعية وفساد وارتهان. تغيرت وجوه ولم يتوقف الانهيار. عموماً أُبعدت الكفاءات ونجحت المنظومة في منع تفكيك المحاصصة الطائفية، وفي احتكار السلطة لتغطية الفساد.
وبالتأكيد لا يعالج مشكلاتِ البلد بعضُ التغييرات التجميلية التي طالت مواقع جانبية.
ويمكن القول إن الأداء الذي حمل لافتة «الإصلاح» افتقر إلى مضمونه الفعلي؛ بمحافظته على الامتيازات. ولا مبالغة في أن الهزيمة بكارثة حرب «الإسناد»، تقابَل بنهجِ ترتيب تداعياتها على العامة، فيما الرهان الطبيعي القطع مع ما تسبب في الهزيمة والانهيار، وإنهاء تدفيع المواطنين ثمن «المَنْهَبَة»، وولوج المحاسبة لإنهاء زمن الإفلات من العقاب.
ورغم وجود نخبٍ في الحكومة، فإن منظومة الفساد الممسكة بالقرار أظهرت عدم قدرة على التكيف مع الجديد، فهم «لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً»؛ وفق وصف تاليران لآل البوربون.
قفزوا فوق متطلبات استعادة الثقة من خلال مشروع قانون «الفجوة» المالية، الذي يقوم على اقتطاع عشوائي للودائع لتخفيف خسائر المسؤولين عن السرقة؛ مما سيفاقم المعاناة ويمدد عزلة البلد.
أسقطوا من قانون العقوبات جرائم السرقة والاحتيال وتبييض الأموال، فاصطدموا بالمودعين كما «صندوق النقد». أما الذين سطوا على المال العام والخاص فأطلقوا حملة لهدر الاحتياطي الذهبي؛ لأن استبدال «الفجوة» بـ«السرقة» حصّنهم لرفض إعادة اليسير مما سرقوه!
وتبقى ثورة «17 تشرين الأول/ أكتوبر» الكامنة اليوم العنوان لإخراج لبنان من أزمنة التحاصص والارتهان والبؤس. لم تفشل؛ بل كسرت حاجز الخوف، وأسقطت ورقة التين عن مثالب تحالف مافياوي.
قوتها، رغم القمع والتجويع، في تمسكها بالدستور والضغط لتطبيقه وألا يكون شماعة، وهي اليوم أمام التحدي لمبادرة تقدم البديل للبنانيين؛ مما يُسقط تحميل العامة أوزار الانهيار والتفريط في السيادة.
















التعليقات