لم تكن الحضارات العظيمة تُبنى بالمصادفة ولا تنهض الأمم بمجرد الأمنيات والخطابات، بل تصنع مجدها حين تُدرك أن أثمن ما تملكه هو الإنسان… وأن أقوى ما يمكن أن تستثمر فيه هو العقل. وفي العالم العربي حيث تتكدّس الطاقات ويزخر المجتمع بالشباب، يبقى التحدي الحقيقي ليس في نقص الإمكانات بل في من يقود الحلم ومن يرسم الطريق ومن يتحول إلى "قدوة" تجعل العلم خياراً جذاباً، والإبداع مساراً طبيعياً والنجاح هدفاً يمكن الوصول إليه. فالقدوات العلمية ليست مجرد أسماء في كتب التاريخ أو صور عابرة في الإعلام، بل هي رسالة حيّة تقول للأجيال أن هناك مستقبلاً يُكتب بالمعرفة ونهضة تبدأ من فكرة. وحين يصبح العالِم أو الباحث أو المبتكِر هو الوجه الذي تحتفي به المجتمعات يتحول العلم من ترفٍ نخبوي إلى ثقافة عامة، ويصبح التميز قيمة وطنية وقومية لا مجرد إنجاز فردي. لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الشباب حين يرون نموذجاً ناجحاً يشبههم في اللغة والبيئة والهوية تتغير معادلة الطموح لديهم. فالإبداع ليس موهبة فطرية وحسب، بل هو أيضاً "إيمان" يتشكل داخل العقل وينمو مع وجود من يثبت أن الطريق ممكن وأن التحديات ليست نهاية الحلم، لأجل ذلك فإن صناعة القدوة العلمية ليست عملاً احتفالياً، بل هي أداة استراتيجية لبناء المستقبل ترفع مستوى الثقة بالنفس وتخلق دوافع داخلية للاستمرار وتُعيد الاعتبار الى العلم بوصفه طريقاً للريادة لا خياراً ثانوياً. في هذا السياق تأتي مبادرة "نوابغ العرب" التي أطلقتها دولة الإمارات نموذجاً متقدماً في صناعة القدوات العلمية والفكرية. صحيح أنها مبادرة إماراتية المنشأ لكنها عربية الرسالة والأثر، بحيث أنها تخاطب الشباب في كل بلد عربي، وتعيد إحياء العلاقة الطبيعية بين الأمة والعلماء، بعد سنوات طوال اختلت فيها الأولويات وغابت فيها القدوة الحقيقية عن المشهد العام. أهمية هذه المبادرة لا تكمن في تكريم المتميزين فحسب، بل في أنها تستدعي تاريخ أمةٍ كانت يوماً مصدراً للمعرفة والعلم للعالم كله؛ أمة بنت الجامعات والمكتبات وساهمت في الطب والفلك والرياضيات وصاغت مفاهيم الحضارة والتقدم. واليوم تعود هذه الروح عبر مشروع يضع العقل العربي في مكانه الصحيح في مقدمة الطريق لا على هامشها. ولعل الرسالة الأعمق التي تقدمها "نوابغ العرب" أنها تعكس رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي لم يقف عند باب تطوير المنظومة داخل دولة الإمارات، بل وصل إلى العالم العربي من بابٍ لم يُطرق منذ زمن طويل وهو باب إعادة الاعتبار الى العلم والعلماء وتحويل المعرفة إلى مشروع نهضة عربية متجدد. إن الأمة التي تكرّم علماءها تضمن مستقبلها. والجيل الذي يرى العلماء قدوة يصنع الحضارة. ووسط عالم لا يعترف إلا بالمبدعين تبقى القدوة العلمية هي البداية… وهي المستقبل.