أحمد عسيري
نحن لسنا طارئين على مبادئ quot;الديموقراطيةquot; إن كانت للحق والعدل والمساواة، بل نحن صانعون لها رغم شذوذ استعمال هذا المصطلح بكل فلسفاته وغاياته وتشريعاته
نحن لسنا طارئين على مبادئ quot;الديموقراطيةquot; إن كانت للحق والعدل والمساواة، بل نحن صانعون لها رغم شذوذ استعمال هذا المصطلح بكل فلسفاته وغاياته وتشريعاته، حيث حاول البعض إخضاع مفاهيم quot;الشورىquot; للديموقراطية، أو مفاهيم العدل الاجتماعي للماركسية، فالنظرية الديموقراطية تجحد تعاليم الأديان على النحو الذي قرره ميكافيلي حين قال: quot;السياسة لا تخضع للدين ولا للأخلاقquot;، ولذا اقتحمت الديموقراطيةَ كثيرٌ من الأخطاء، بعد أن تكشفت عوراتها وفسادها في مجال الاضطراب الاقتصادي أو التحلل الاجتماعي أو الانهيار الأخلاقي كما يقول أنور الجندي، ولذا فلنا تجربتنا التي اخترناها وارتضيناها وقبلناها، في ظل إفلاس الحضارات المادية ورونقها الخادع والمراوغ.
في عام 1991 أجمع العلماء والمفكرون المشاركون في الندوة العالمية عن تأثير الحضارة العربية الإسلامية على الغرب، والتي عقدت في النمسا على quot;أن المملكة العربية السعودية تشكل النموذج المتفوق للدولة الإسلامية المتحضرة، التي نجحت في التوفيق بين الدين والدولة، وقد أكد الدكتور كورت فالدهايم في كلمته الافتتاحية أمام المؤتمر quot;أن الإسلام الذي انبثق من قلب الجزيرة العربية، الأرض الحالية للمملكة فتح آفاقا رحبة أمام البشرية، من خلال تسامحه الديني وانفتاحه على جميع الحضارات التي كانت سائدة في وقته، يأخذ منها ويعطيها دون تزمت أو تعصب مما أدى إلى قيام واحدة من أعظم الحضارات البشريةquot;. إن التجربة السعودية ترسخ أعرق المفاهيم والمناهج التي تجسدت مبادئها واقعا حياتيا عاشه المواطن وحفظته الأجيال المتعاقبة، فالديموقراطية السعودية لا تأبه بالنظريات الجدلية والشعارات الاستهلاكية والمثاليات القاصرة، والمتاجرة بوعي الشعوب المستلبة، ولكنها تضع المواطن داخل المشروع الحضاري بكل مجلوباته ومكتسباته العلمية، دون أن يفرط في قيمه ومعتقداته بل كانت إغناء لعقله المؤمن وتفكيره المنزه، ولذا سوف أتباسط في الحديث عن الممارسة الديموقراطية، تجسيدا إجرائيا من خلال ظواهر وخصائص وسيرورة وتمثلات يتصف بها وطني، فديموقراطيتنا هي تلك اليد الملوحة بشكواها أمام ولي أمر الأمة، وهو يصغي بكل حنو وعطف ورحمة لذلك الرجل الطاعن في السن يدلي بمظلمته ودعواه، ديموقراطيتنا هي تلك الإرادة المؤمنة التي نزلت إلى الشعاب والأودية السحيقة، وظهرت إلى القرى المعلقة والجبال الشاهقة والصحراء الملتهبة، لكي تسعد مواطنيها بكل منجزات العصر ورفاهيته، ديموقراطيتنا هي ذلك المتجر أو المعرض الذي تكسوه قطعة من القماش عندما يتركه صاحبه لأداء فريضة الصلاة دون خوف من السرقة أو الفقد والضياع، ديموقراطيتنا هي تلك الحياة الكريمة التي يعيشها عامل قادم من بلاد الله الواسعة، بعد أن فتحت له بلاد العدل والخير أبوابها، ديموقراطيتنا هو ذلك الماء البارد الذي نسكبه على حطب الحرائق والضغائن في أي بقعة من بقاع الكون، لنجمع شمل أبناء الوطن الواحد ليعيشوا في وئام ومحبة، ديموقراطيتنا تراها في عيون طفل وطفلة برفقة والديهما، يقطعان آلاف الكيلو مترات في الليل الأسود دون أن تمتد لهم يد سارق أو نزوة قاطع طريق، ديموقراطيتنا هي ذلك المجلس الذي يعقده كل أمير ومسؤول في منطقته، ديموقراطيتنا هي التي أضاءت المنابر وفتحت قنوات الإعلام، لكي تؤدي رسالتها المعرفية والتنويرية ولتصوغ وعي هذه الأجيال، التي يحضنها مدرج الجامعة وهدير المصانع وظلال الحقول والمعامل، وتبعد عنها التبعية الحضارية التي تحولها إلى هامش لحضارة أخرى أو تسقط في الانتحار الحضاري عبر الجفاف والذبول الذي يقود إليه هذا الطريق، وإنما نأخذ ما نقوي به الذاتية وتزدهر به الخصوصية، ديموقراطيتنا هي ذلك الحب الكبير الذي يجعل أبناء أسرة حاكمة لا تنام الليل، حتى تطمئن إلى وصول المريض والمصاب عبر طائرة الإخلاء الطبي إلى غرفة العناية المركزة، ديموقراطيتنا هي ذلك الرفض المؤدب لعبارة quot;صاحب الجلالةquot; واستبدالها بخادم الحرمين الشريفين التي تتجسد فيها كل قيم التواضع والنبل والتقوى والصلاح، ديموقراطيتنا هي تلك المنشآت الحضارية والمعجزات الحديثة التي جعلت مياه البحار حالية وهزمت قسوة الطبيعة وجعلت الماء يصعد الجبال المنيفة quot;وعهدنا أن طبع الماء ينسكبُquot; ديموقراطيتنا هي التي قامت بأعظم توسعة وخدمة للحرمين الشريفين غير مسبوقة في تاريخ الإسلام والمسلمين، ديموقراطيتنا هي التي جعلتني أفاخر بانتمائي لتراب هذا الوطن دون خجل أو حياء، وأرفع هامتي شامخة كشموخ جبل quot;تهللquot; في عسير، فليس في تاريخ وطني ما يجعلني أخجل من ذكره والانتساب إليه، ديموقراطيتنا هي تلك الإعانات والمساعدات الإغاثية التي انطلقت لتجوب أطراف المعمورة، تقدم اللقمة لكل فم جائع، والكساء لكل جسد عار، ولتقيم بيوت الله في كل الأصقاع والبقاع، ديموقراطيتنا هي التي حجزت لنا مقعدا سامقا بين quot;العشرينquot; من اقتصاديات العالم المتحضر والمعاصر والعملاق، ديموقراطيتنا هي التي جعلت قضية فلسطين حية باقية في ضمير الكون، ومحافل العالم الذي يحاول دفنها ووأدها ومصادرتها، بهذه الصيغ الحياتية الديموقراطية صنعنا هذه المبادئ، والذين يصنعون المبادئ لا يموتون، صنعناها بصدق وإيمان وغيرنا يريد صنعها بالشعارات والثوريات والحزبيات المعجونة بالخطب المحتقنة والحناجر الغوغائية النحاسية، والأقلام الموظفة في الدوائر الصدئة والرخيصة المترعة بالتشنج المتهافت، والسباحة فوق الرمال والتنظير العابث في الجماجم الموبوءة، التي تآكلت بفعل الشعوذة السياسية والزفة الإعلامية الكاذبة، التي تكتظ بها جحور الفكر التضليلي، والخطاب المصنوع في العتمة والأقبية المظلمة.












التعليقات