سعد نسيب عطاالله

الفوضى الخلاّقة هي عبارة ارتبطت باستراتيجية وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، حيث اعتبرت أنه من خلال تطبيقها في الدول العربية سيتحقق مشروع الشرق الأوسط الكبير، وتهيمن من خلاله اسرائيل على كل المنطقة، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وبالتالي حماية المصالح الحيوية الأمريكية، وأوّلها الذهب الأسود، وخطوط أنابيبه، وناقلات السفن العملاقة. واعتبار أنه سينتج عن ذلك أيضا، السيطرة الاميركية المطلقة على كل اقتصادات العالم، خاصة الصينية واليابانية والهندية. وما سمّي بثورات lsquo;الربيع العربيrsquo; خلال العامين المنصرمين، انما يصب ضمن هذه الاستراتيجية الفوضوية الخلاقة، التي دعمت وصول lsquo;الاخوان المسلمينrsquo; الى تبوؤ سلطات الحكم. ولكن كما يبدو، فان هذه lsquo;الثوراتrsquo; ترتد على مروجيها، وستؤول الأنظمة الى السلفيين المتشددين أعداء امريكا كما تؤشّر اليه الاحداث المتسارعة في اليمن وتونس وليبيا، وأيضا في مصر، والاحداث الحاصلة حاليا في سورية والأردن والكويت، وما سيليها في باقي إمارات وممالك نفط الخليج ndash; العربي غربه، والفارسي شرقه. وبكلام آخر، فان الحبل متروك على غاربه على طول الساحة العربية، والمصالح الأمريكية هي الأكثر تهديدا، وكذلك ديمومة بقاء الكيان الصهيوني الغاصب، جراء قدرة صواريخ حزب الله في لبنان، والمقاومة الاسلامية في غزة، اللتين أوجدتا استراتيجية lsquo;توازن الرعبrsquo; مع العدو الصهيوني الغاشم، وتهدّيد وجوده بالكامل.
أمّا في لبنان، فان استراتيجية الفوضى الخلاقة تقع تحت مسمى آخر هو lsquo;فذلكة الفوضى الخلاقةrsquo; التي نسمع عنها علنا عند إعلان واقرار نهائية تحضير الميزانية المالية العامة السنوية ndash; التي أمست أيضا في خبر كان ndash; ورسخت مبدأ الفوضى الخلاقة في كل الامورالحياتية اليومية، وبهدي من مفاهيم: الشراكة، والعيش المشترك، والديمقراطية الطوائفية، والحفاظ على السلم الأهلي، والمربّعات الأمنية، كما في التفسيرات الدونكيشوتية المتكاثرة لمفهوم المقاومة. أمّا lsquo;أبوابrsquo; الفوضى الخلاقة اللبنانية فانها مفتوحة على الغارب في أمور الأمن والغذاء والدواء والكهرباء والمياه والهاتف، على سبيل المثال لا الحصر.
أوّلا في الأمن، عندما تحصل أحداث أمنيّة في احدى المناطق البعيدة عن العاصمة بيروت، تكلّف، في البدء، قوى الأمن الداخلي، باجراء اتصالات مع اصحاب النفوذ المحليين من طرفي الجهتين المتقاتلتين، لحل النزاع بينهما عن طريق الحوار، قبل توقف عمليات القتال، وغالبا ما تؤدي فترة الحوار الى ازدياد التوتر وارتفاع عدد الضحايا والخسائر عند الفريقين. تضعف حينها قدرة قوى الأمن الداخلي على احتواء الموقف، ويشكّل كلّ طرف متقاتل مربّعه الأمني، وتتوقف عجلة الحياة. عندئذ، يشعر أصحاب النفوذ المحليين، ومن يساندهم سياسيا وعقائديا على مستوى الوطن، بالأخطار الداهمة عليهم جميعا، فيلجأون الى الجيش الوطني لضبط الامور وحفظ الأمن، من دون السماح له بتجريد طرفي النزاع من السلاح ووضع حدّ نهائي لأي نزاع مسلح بينهما لاحقا. وهكذا دواليك، فمثل هذا الأمر يتكرر مع كل نزاع لاحق، أكان في نفس المنطقة أو سواها من المناطق، أو حتى داخل العاصمة بيروت.
ثانيا في الغذاء، كلّما ارتفعت أصوات تطالب الدولة بتصحيح الأجور في القطاعين الخاص والعام، ومكافحة غلاء المعيشة، تعمل الدولة الى الهروب الى الأمام والاعلان عن مداهمة مخازن لحوم أو أدوية فاسدة ومزوّرة، وتروّج في وسائل الاعلام أنها ختمت هذه المخازن بالشمع الأحمر، ولست ادري سبب اختيارهم الشمع الاحمر وليس سواه من الالوان الزاهية، والقبض على الجناة، من دون ذكر أسمائهم كاملة، أو كشف وجوههم على شاشات التلفزة، التي تلوّث يوميا آذان وعيون مشاهديها، بوجوه وثرثرات أمراء الحرب الأهلية ndash; المستمرة في أشكال عديدة وخلاقة ndash; أو مع كتبة بلاطاتهم الأوفياء، لاستمرارية ديمومة لقمة عيشهم المغمّسة بالمياه الآسنة للمستنقع السياسي اللبناني. والمؤسف، أنه يتبيّن لاحقا، أن السلطات الرسمية كانت قد داهمت مخازن تلك المأكولات والأدوية الفاسدة بعد تسويق واستهلاك معظمها في السوق المحلّي. حينئذ، يركع الناس ويرفعون صلواتهم ابتهالا الى الخالق الذي منّ عليهم بطول العمر، رغم بؤسهم وأمراضهم.
ثالثا في الكهرباء، منذ أكثر من عقدين، ومأساة توفير الكهرباء 24 على 24، ما تزال كابوسا يتماهى مع أحلام اللبنانيين. جاءت حكومات، وخلفتها أخرى، وما زالت الحكاية في أوّل ليالي حكايات شهرزاد لشهريار. يطرحون حينا موضوع خصخصتها، فتقوم قيامة لصوص الكهوف الكهربائية، والمعلقين الكثر على الخطوط من محاصصي الوطن الكبار. وأحيانا، يتفذلكون باستقدام بواخر توليد الطاقة، فتنتفض مافيات استيراد الديزل، وأصحاب المولدات الكهربائية التي فرّخت عشوائيا في كل زواريب الأحياء السكنية، الذين يتحاصصون، المداخيل الخيالية لاشتراكات الناس البؤساء، مع أصحاب مراكز النفوذ في lsquo;مزرعةrsquo; مؤسسة كهرباء لبنان. الفساد والاختلاسات في موضوع الكهرباء ما تزال في أوجها، والحبل على الجرّار.
رابعا في المياه، لبنان هو الوطن العربي، أو ذو الوجه العربي، كما يحلو للبعض قوله، الذي تهطل فيه كمية أمطار تزيد عن حاجة القاطنين فيه، لكنها عمليّا متوفّرة لسكان الصحارى أكثر منها للبنانيّين، اذ يهدر معظمها في البحر الأبيض المتوسط، من دون توفير وسائط لتخزينها في بحيرات يسهل انشاؤها عن طريق بناء سدود في أودية طرفي سلسلة الجبال الغربية، وبأكلاف زهيدة نسبيا. يصبّ ذلك التقصير في تداعيات الفوضى الخلاقة الموجّهة، عن بعد وعن قرب، من قبل مافيا نظام اللانظام، حتى تتكاثر شركات تعبئة المياه lsquo;المعدنيةrsquo; التي تبيّن أن معظمها تملأ خزاناتها من أنابيب lsquo;مزارعprime; مؤسسات المياه الرسمية. كما أصبح النفط أكثر نقاء وصحة وعافية للشرب من مياه حنفيات دولة lsquo;البنية ما دون التحتيةrsquo;.


خامسا في الهاتف، لقد بلغت أعاصير الفوضى الخلاقة الزبى في وزارة الاتصالات، وشهدت أمّ المعارك في دهاليزها وأروقتها، ومدّت اياديها الطويلة عميقا في جيوب المواطنين المبهورين بالتكنولوجيا الحديثة. فاستغلت الوزارة العتيدة، وبفضل الوزراء الاشاوس الذين تناوبوا على احتكارها، حتى التواصل الحميم بين الناس، وأربكت حياة العائلات، حتى باتوا يصدّقون أنه لا يوجد لديهم شعور بالأمن والأمان في غياب الهاتف المحمول. فدخل lsquo;المحمولrsquo; خلسة الى كل حقيبة مدرسية، والى كل جيب وحقيبة. صار لكلام الأولاد مع الأهل ثمن. صار احتساب الوحدات في الدولار الأمريكي وسقطت الليرة من ذاكرة الوطن. وأصبح نوع الهاتف ومواصفاته، موقع جاه وتباه بين حامليه، الذين معظمهم يجهل كيفية استعمالاته وفوائده المعلوماتية التي تتعدّى الاجابة على المكالمة أو اجراءها. لا بد في الختام من تقديم الاطراء والتبجيل والمديح ndash; في معرض الذمّ طبعا ndash; لنظام الفوضى الخلاقة الذي هو وليد صبيحة يوم استقلال مزرعة الطوائف عن الانتداب الفرنسي المشؤوم الذي أنشأها، لتتقاسم في زواريب الانغلاق والتعصّب الطائفي المقيت، وتزرع بذور الفتنة المتجددة بين الاجيال اللاحقة، حتى تفرخ حروبا أهلية بغيضة، كلما تهدّدت كهوف بيروقراطية الفوضى الخلاقة الضامنة لسياج هذه المزرعة المشؤومة.