عبد الزهرة الركابي
تجمع الآلاف أمام وزارة الداخلية في تونس العاصمة احتجاجاً على اغتيال البراهمي، وهتف المحتجون بشعارات تندد بالحكومة وطالبوا باستقالتها ورددوا: (يسقط حكم الإسلاميين)، هذا هو مشهد من المشاهد المشتعلة في رائدة الثورات .
فحادثة اغتيال المعارض البارز محمد البراهمي التي وقعت في تونس في الفترة الأخيرة، قد لا تزيد حالة الاحتقان وحسب، وإنما ستجعل البلد الذي اندلعت فيه أولى ثورات (الربيع العربي)، يسير على نفس طريق البلد المجاور مصر، عندما أُطيح بحكم (الإخوان)، الأمر الذي يعني أن عملية الإطاحة بثاني حكم إسلامي، ربما باتت قريبة، خصوصاً أن هذا البلد يشهد انتقالاً ديمقراطياً ldquo;متعثراًrdquo; بعد الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي في 14 يناير/كانون الثاني من عام 2011 .
إن ازدياد حالة الاحتقان، سيجعل وضع الحزب الحاكم (حزب أو حركة النهضة الإسلامية) صعباً إلى أبعد الحدود، بعدما حملت أحزاب وقوى المعارضة الحزب المذكور، مسؤولية الاغتيالات التي حدثت منذ تسلمه الحكم، حيث قامت ثورة غضب حياله في كل مكان من تونس، الأمر الذي أدى الى إحراق مقرات هذا الحزب في مدن عدة من البلاد، ما يجعل من صيغة الحكومة الحالية عرضة للتغيير في أقل الاحتمالات، كونها أوجدت وضعاً مشجعاً لمثل هذه الاغتيالات، عندما تساهلت مع الخطاب التكفيري والتحريضي على العنف والاغتيال في وسائل الإعلام وكذلك في الاجتماعات العامة وفي المساجد، من دون أن تحاسب المتورطين والمتشددين في هذا الخطاب، فضلاً عن تساهلها مع انتشار السلاح .
وإذا كان حزب النهضة قد نجا من تداعيات حادثة اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد، فهذه المرة أصبح من الصعب عليه الإفلات من تداعيات حادثة الاغتيال الأخيرة، لا سيما وان مدينة (سيدي بوزيد) مسقط رأس البراهمي، هي من كان لها السبق في إشعال الثورة التي أطاحت بالحكم السابق على النحو المشهود .
البراهمي ذو النزعة القومية الناصرية، كان من أول أعضاء المجلس الوطني التأسيسي الذين أعلنوا دعمهم وتأييدهم لحركة (تمرد)، هذه الحركة التي دعت الى العمل على إسقاط الحكومة وحل المجلس الوطني التأسيسي، كما أن البراهمي أعلن مساندته للحراك الذي أسقط حكم (الإخوان) في مصر .
يُذكر في هذا السياق أن حركة (تمرد) قد أعلنت مع عدد من الجمعيات والمنظمات حالة التعبئة العامة لتنظيم احتجاجات في كل المدن، شعارها الأساسي حل الحكومة والمجلس التأسيسي، كما أن دعوات المعارضة عموماً انصبت على وضع خريطة طريق، تتمثل في حل الحكومة والمجلس الوطني التأسيسي، واعتبار (النهضة) طرفاً فقط من جملة الأطراف السياسية، ومن خلال تجريدها من كل الامتيازات، وهو نفس المسعى الذي حاول العمل عليه رئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي، بيد أنه أخفق في ذلك، من جراء رفض (النهضة) لمسعاه هذا .
من الواضح أن تونس يحيط مستقبلها الغموض، وبدت في أعقاب اغتيال البراهمي في حالة من الغليان الشعبي والاضطراب السياسي والأمني والانقسام، خصوصاً بعدما قدم الكثيرون من نواب المعارضة استقالاتهم من المجلس السياسي، احتجاجاً على حادثة الاغتيال المذكورة، في الوقت الذي يعتقد المراقبون في الشأن التونسي، أن المؤسسة العسكرية وقوات الأمن ستنحاز للمتظاهرين في تونس، حيث لا خيار لديهم سوى الانضمام إلى الجماهير، وأن سقوط الحكومة مسألة وقت لا أكثر .
وعليه، فإن تونس بدت متجهة الى انقسام عمودي بين المعارضين والمؤيدين لحركة النهضة التي تقف وراء الائتلاف الحاكم (الترويكا)، على الرغم من أن السلطات التونسية سارعت الى إتهام الجماعات المتشددة بارتكاب جريمة اغتيال البراهمي، وقد أرادت من وراء تصريحها هذا، الظهور بأنها أيضاً ضحية محاولات ضرب العملية الديمقراطية كما أسمتها .
وفي ما كانت البلاد تعيش في حالة شبه شلل تام، كانت الاحتجاجات المناهضة والمؤيدة في آن، هي الأبرز من بين الفعاليات القائمة في المشهد التونسي، بيد أن هذا الواقع الآني ومهما تعددت زواياه ومنعطفاته السياسية، لا يخفي الحقيقة عن منظار المراقبين، والمتمثلة في الفشل في إدارة التعددية من قبل السلطة القائمة، وكذلك التسلط والقفز فوق التوافق الوطني ولا سيما حيال الخطوط العريضة في مرحلة هي انتقالية وتأسيسية للمجتمع الديمقراطي .
وإذا كانت حياة المعارض البراهمي قد انتهت برصاصات القوى التكفيرية المتشددة أم بغيرها، فإن الضحية كان يحضر استقالته من المجلس التأسيسي، فهو لا يريد التصويت على دستور يراد منه ترسيخ ديكتاتورية إسلامية، كما صرحت بذلك ابنته بلقيس في أعقاب عملية اغتياله .














التعليقات