محمد خليفة

عقد الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين 19-8-2013 جلسة محادثات طارئة حول العنف في مصر الذي ldquo;يثير قلقاً شديداًrdquo; وسط تحذيرات من أن الدول الأعضاء ستراجع علاقاتها مع مصر . وطبعاً فإن مراجعة العلاقات تعني قطعها ما يعطي انطباعاً بأن لدى دول الغرب نية للتصعيد ضد مصر لمحاصرتها ومنعها من القضاء على الإرهاب . ويحتج الغربيون بأنهم ديمقراطيون ومع حرية التعبير والرأي وأنهم ضد العنف إذا كان ذا أهداف سياسية، لكنهم يتجاهلون عن عمد العنف الذي يقوم به المتطرفون في أرض الكنانة، الذين يحرقون المؤسسات والدوائر الحكومية ويحرقون ويهدمون الكنائس ويعتدون على الناس الآمنين . وللدولة المصرية مسؤولية كبيرة تجاه شعبها ومستقبله وهي لا يمكن أن تبقى مكتوفة الأيدي تجاه العناصر المتطرفة التي أعلنت حربها في سبيل إقامة ما يسمى ldquo;دولة الخلافةrdquo; .

لكن الغرب الذي يدّعي خشيته على حياة الشعب المصري يخفي مخططاته التي يغلفها بأغلفة إنسانية دائماً وهي أبعد ما تكون عن ذلك، إذ لو كان صادقاً بإنسانيته لكان فعل شيئاً للشعب الفلسطيني الذي يعاني الاحتلال ldquo;الإسرائيليrdquo; منذ أكثر من 60 سنة . لكن وراء هذه الإنسانية المزعومة أهداف استراتيجية . فلا شك في أن الغرب يخشى من انبعاث مصر وعودتها كقوة إقليمية كبرى ذات قرار مستقل، ولهذا فإنه يعمل بكل طاقته بهدف إفشالها، ويتوزع الغربيون الأدوار في ما بينهم وهي لعبة أتقنوها جيداً بعكس الدول العربية والإسلامية التي لا تدرك أهمية العمل المشترك بما يخدم مستقبلها ووجودها .

وتتجه إرادة الغرب اليوم لفرض الوصاية على مصر وهذا الأمر يقتضي تهيئة المناخ المناسب له وليس أفضل من الفوضى والقتل كمبرر للتدخل وفرض الرأي . وتلعب العناصر المتطرفة الدور المرسوم لها بعناية، حيث إنها تثير الفوضى وتهرق الدم البريء وتخوض في سيناء إرهاباً لا هوادة فيه ضد قوات الجيش والأمن بهدف السيطرة عليها وتعطيل حركة المرور في قناة السويس التي هي ممر حيوي للتجارة والمرور البحري بين الغرب والشرق . ولعل الهدف الأساس عند المتطرفين هو استهداف هذه القناة ولو بصاروخ لخلق البيئة المناسبة للغرب ليعمد إلى التدخل في مصر بحجة حماية قناة السويس .

ويسير قرار الاتحاد الأوروبي بمراجعة العلاقات مع مصر في اتجاه التصعيد العسكري من قبل المتطرفين، وربما يعقب ذلك فرض عقوبات اقتصادية وتجارية على الدولة المصرية ومحاولة عزلها وقطع المساعدات الاقتصادية عنها لإنهاكها ودفعها إلى الاستسلام والقبول بما يُملى عليها وحرمانها من حقها الطبيعي في الدفاع عن شعبها الذي يعاني هجمات المتطرفين .

لقد قادت الولايات المتحدة العالم أجمع إلى حرب كبرى ضد الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول عام ،2001 وأجبرت مجلس الأمن الدولي على إصدار قرار يلزم كل دول العالم بمكافحة الإرهاب، وهذا القرار ما زال ساري المفعول، لكن يحظر على دول العالم النامي، مثل مصر، أن تكافح الإرهاب على أرضها بنفسها، بل هذه المهمة مقتصرة على الغربيين العارفين بقضايا الإرهاب، بحسب زعمهم . ومن هذا المنطلق يأتي الموقف الغربي تجاه مصر، لكن هذا الموقف سيدفع القيادة المصرية للتوجه شرقاً نحو روسيا والصين للاستعانة بهما في منع المخططات الغربية من تحقيق أهدافها، وبهذا ستتحول مصر من دولة حليفة للغرب إلى دولة عدوة له، وستكون تكلفة هذه العداوة باهظة لكنها ممر إجباري لخروجها من مستنقع التطرف .

إن الغرب سيجتهد ليفسد على القيادة المصرية خططها في مكافحة الإرهاب بقصد تدويل الأزمة المصرية، ليكون له يد في صياغة مستقبل مصر . وفي هذا الخصوص دعا وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيله إلى ldquo;حماية المسيحيينrdquo; في مصر، وأضاف أنه، ldquo;يجب حماية الأقلية المسيحية، حيث يتعرض الأقباط والكنائس أكثر وأكثر لهجمات في هذا البلد . ولم يقل الوزير الألماني من هو المسؤول عن هذه الهجمات ضد الكنائس والمسيحيين في مصر، لأن الهدف ليس البحث عن الفاعل وتقديمه للعدالة، بل التدخل المباشر في شؤون مصر الداخلية، فهناك توجه لدى دول الغرب لتدويل الأزمة المصرية ودفعها إلى أروقة مجلس الأمن من أجل قطع الطريق على الحكومة الانتقالية ومنعها من إنجاز وعودها في إرساء ديمقراطية حقيقية في مصر . ويتم استغلال موضوع الأقلية المسيحية في تكرار لأحداث مشابهة جرت في الشرق وخصوصاً في جبل لبنان، فعندما انهار حكم الشهابيين إثر خروج إبراهيم باشا من سوريا عام ،1840 بدأت حرب طائفية بين الدروز والمسيحيين في تلك المنطقة وتطورت عام 1860 إلى مذابح، ما استدعى من الدول الأوروبية ldquo;فرنسا، وبريطانيا، وروسياrdquo; إلى المسارعة لإرسال أساطيلها وتهديد الدولة العثمانية بالتدخل لحماية الأقلية المسيحية، فاضطر العثمانيون إلى الخضوع لإملاءات هذه الدول وتم جعل جبل لبنان متصرفية ذات استقلال ذاتي يرأسها متصرف ماروني وفي عضويتها ممثلون عن الدروز والسنة والشيعة، ولايزال نظام المتصرفية الطائفي سائداً في لبنان حتى اليوم . وكان لتدخل الدول الأوروبية في الشأن الداخلي آنذاك أبلغ الأثر في ذهاب هيبة الدولة العثمانية والتعجيل بانهيارها وزوالها عام 1918 .

إن سلوك الغربيين لا يشي بأنهم يناصرون الديمقراطية في مصر وسواها من أرجاء العالم العربي بقدر ما يشي بأنهم يرون أن مصالحهم تأتي أولاً ومن ثم بعد ذلك تأتي مصالح الشعوب الأخرى، ومصالحهم تقتضي اليوم دفع مختلف شعوب المنطقة العربية إلى الاقتتال في ما بينها بهدف القضاء على أحلام هذه الشعوب في التنمية والازدهار الاقتصادي لكي تبقى للغربيين اليد العليا عليها، وفي هذا السبيل يتم تشجيع الفوضى والدفع بالتطرف إلى آخر مدى له . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، إذا تمكن هؤلاء المتطرفون من إقامة هذه الدولة فهل سيبادر الغرب إلى إقامة علاقات طيبة معها أم أن حروب فجر الإسلام ستعاد من جديد لكن بوسائل نووية؟ . إن النخبة المثقفة في هذه الأمة مدعوة إلى تبيان الحقائق وفضح الدور الغربي في كل ما يحصل في مصر وسواها من أجل إنقاذ الأمة من فناء قد يحدث لها بفعل تهور المتطرفين وتشجيع الغربيين .