قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أحمد الشرعبي

التحديات المصيرية توحد الإرادات، وتحشد المختلف والمؤتلف من الخيارات، صوب وجهة أحادية تجمع بين اشتهاء الرغبة وكاريزما الرهبة، ليلتقيا معا في بوتقة يمثل quot;السيسيquot; أنموذجها المعاصر في الحالة المصرية


ما من فوارق جوهرية بين الرغبة والرهبة، خاصة حين تكون الأخيرة نابعة من تقديرات موضوعية يعقدها الإنسان مع نفسه، بعيدا عن إكراه القوة وفعلها الإجباري المؤدي إلى إجهاض القناعات الذاتية.
وتبعا لمجريات الشأن المصري وطبيعة الجدل الاستباقي حول الانتخابات الرئاسية القادمة، يؤكد قطبا الرحى من منافسي الدكتور محمد مرسي ـ عجل الله فرجه ـ في الانتخابات السابقة استعدادهما للترشح مجددا، ما لم يكن الفريق عبد الفتاح السيسي مرشحا لها أو على قائمة المتقدمين إلى منافساتها..
ومعلوم أن موقع الفريق السيسي على رأس المؤسسة العسكرية الضاربة يغري على إثارة فضول الخصومة ولددها على غرار الهذر الصادر من غير ذي مصلحة في المعترك الانتخابي المرتبط بنجاح عملية الاستفتاء على الدستور الجديد.
وكنت تابعت شيئا من اللغط المروج له من بعض قنواتنا الفضائية العربية، التي تتبنى الخطاب التحريضي الذي يعزي توقعاته حول ضعف مؤشرات التنافس الانتخابي القادم، إلى سطوة وقوة وجبروت القوات المسلحة، التي تقف خلف الإطاحة بمرسي؛ بغية الاستئثار بالسلطة واحتكار موقع الرئيس لقائد الانقلاب.
على هذه الشاكلة يجري الغمز في قناة الأستاذ حمدين صباحي تعليقا على تصريحات يؤثر فيها ترشيح السيسي على نفسه.. حسنا إن كانت القوة والسطوة وجبروت الغلبة قادرة على صد التيار الناصري عن المشاركة، فلم فقدت هذه العوامل وجهتها بإعاقة مرشح الإخوان من الوصول إلى الحكم مع تصدر المجلس العسكري واجهة المشهد آنذاك؟ ولم عجزت قوة وسلطة وسطوة الجماعة عن إثناء أحد قيادات النظام السابق ـ أحمد شفيق ـ أو تجبره على إرجاء قرار الترشح أمام مرسي، مع ما كانت عليه موازين القوى من وضع غير متوازن يرجح جانب المرشح المتلفع إهاب الثورة وفعاليات الجماعة، بينما يلقي حمم انفعالاته المتذمرة على كاهل المنافس المثقل بأرزاء الانتماء لعهد مبارك!
وإذا لم يكن الإخوان دون سواهم من القوى السياسية الأخرى من خلقوا حالة الاضطرار لمنقذ بحجم ووطنية السيسي فمن يكون السبب إذن؟ ومن يتحمل المسؤولية أمام التاريخ؟ وهل كانت مصر لتصل إلى هذا المستوى الكارثي المهدد بانهيار الدولة، لولا ضيق الأفق في تعاطي الجماعة مع المد الشعبي المنزعج من سياسات حاكم يدير مصالح المجتمع من مقصورة التنظيم، بعدما أدار ظهره لمؤسسات الشعب.
وإجمالا ما من سبب قسري يحمل أيًا من الأطراف المصرية على كبح رغباتها في الاستحقاق الانتخابي القادم، بل إن أحدا من مناوئي السلطة الانتقالية الراهنة لم يقل ـ لا على جهة الاتهام ولا على سبيل التوهم ـ بوجود مظاهر تأثير لسلطة الحكم على موازيين القوى المصرية، كما لا دليل ماديا أو مجرد حديث افتراضي عن تسخير مقدرات الدولة لصالح طرف بعينه.. وغير بعيد أن تكون المشاركة في الاستحقاق الرئاسي متاحة أمام تيارات قريبة من جماعة الإخوان بمقدار بعدها عن استهداف أمن واستقرار وسيادة مصر.
وإذن وطالما كانت ضمانات التعبير عن الرغبة في ممارسة الحق متوافرة، وما من قلق بشأنها، فإن للظرف التاريخي خاصيات عميقة الصلة بالمناخات الذهنية السائدة بما يرافقها عادة من ميول انطباعية ومسلمات شعبية وإرهاصات ثقافية ومقاربات سياسية.
ومن بداهات التأريخ أن المحن الجسيمة لا تصقل خبرات الشعوب فحسب، وإنما تقود لتقليب تربة الواقع على نحو يقتلع أشجار العليق، ويعالج الشوائب المكربنة ويهيئ الفرص الكفيلة بنمو قيم الدولة المؤسسية القادرة على مواجهة تحدي السلام الاجتماعي الداخلي، واستعادة الشعوب لحمتها، واستنهاض مقوماتها المادية والروحية لبناء ما تعتقده مستقبلا لائقا بوجودها ومنسجما مع هويتها الوطنية.
إن اختلاف حقب التاريخ يتحدد وفقا لمهام وتحديات هذه المرحلة أو تلك، ولذلك تصبح الرغبات المشروعة في بعض منعطفاته الفارقة رهنا لتيار جارف من التحديات المصيرية، التي توحد الإرادات وتحشد المختلف والمؤتلف من الخيارات صوب وجهة أحادية تجمع بين اشتهاء الرغبة وكاريزما الرهبة، ليلتقيا معا في بوتقة يمثل الفريق السيسي أنموذجها المعاصر على صعيد الحالة المصرية وتفاعلاتها الكثيفة.
وعلى دأبها المعتاد لا تغفل مصر عن مزاجها الحرون حين تستثار لرد فعل غضوب.. كان هذا طبعها في مواجهة نكسة حزيران كما هو شأنها الحالي، وهي تحاصر عثرات ثورة 25 يناير، وتستقبل الاستفتاء على الدستور الجديد بزخم جماهيري نادر، يستلهم من الدلالة الرمزية للفريق السيسي سجل الجيش المصري ذائع الانتصارات.
وما يجعل مصر على سدة الريادة وهي في أشد ظروفها حرجا، ذلك السجال الحيوي في تبادل المواقع بين سنابل الحقول وثكنات الحروب، وكما خاض الجيش المصري مأثرته العظيمة، وعبر خط بارليف اعتمادا على تأييد ومساندة شعبه، نرى الأخير يقتحم درب العبور التاريخي لبارليف الداخل، معتمدا نجدة جنوده الميامين لضمان نصر كامل في أطول وأشق معارك إنقاذ الأوطان من ثقافة الإذعان.
وفي أتون لحظتها الراهنة، فإن المخاطر المحيقة بمصر تمتد من شلال الدم المتقاطر بفعل الإرهاب إلى ينبوع الماء المهدد بالسرقة، تماما كما أن تداعيات الخطر تمتد هي الأخرى من أميركا إلى إيران ومنهما إلى تركيا وإسرائيل.
وبهذه الوضعية من تكالب المخاطر، يغدو الرهان على الجيش المصري والفريق السيسي إطارا موضوعيا للإنقاذ.. إنقاذ ما تبقى من مؤسسات الحكم، وإنقاذ براعم الحلم بعروبة مصر وسياجها الوقائي لأمة إن لم تكن مصر جدارها الأمامي فإنها ستغدو ـ لا محالة ـ كينونات من هوامش مجتزأة في كتالوج الشرق الأوسط الجديد!